«الاختناق» يقترب.. نهج ترامب ينزع من إيران «الأوراق الرابحة»
تتقدم المواجهة بين أمريكا وإيران خارج النطاق التقليدي، لتتحول إلى سباق دقيق مع الزمن تحكمه سعة التخزين النفطية، وحركة الأسواق.
وبينما يتصاعد الجدل في واشنطن حول تكلفة سياسة الضغط التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يقدم التحليل الاقتصادي لصناعة النفط صورة مختلفة تمامًا: فإيران ليست في موقع قوة تفاوضية، بل في مواجهة “عدّاد زمني” يقترب من نقطة حاسمة في منتصف مايو/آيار المقبل، إذ قد تتحول الأزمة من ضغط اقتصادي إلى اختناق فعلي، بحسب مجلة "نيوزويك".
ترامب: أريد السيطرة على جزيرة خرج والنفط الإيراني
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز جزيرة جزيرة خرج بوصفها المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، والتي تمر عبرها الغالبية الساحقة من الشحنات. ومع توقف أو تراجع الصادرات بفعل العقوبات والقيود اللوجستية، تبدأ الخزانات المحلية في الامتلاء بسرعة، في وقت لا تملك فيه إيران مرونة كافية لتخزين الإنتاج إلى أجل غير مسمى.
ووفق تقدير شركات تحليل الطاقة، فإن سعة التخزين البرية القابلة للاستخدام في إيران لا تتجاوز عشرات الملايين من البراميل، بينما تتراكم “الصادرات المزاحة” بمعدلات تقترب من مليوني برميل يوميًا، ما يضع النظام النفطي في مسار تصادمي مع حدود فيزيائية صلبة لا يمكن تجاوزها بالسياسة أو التفاوض.
العدّ التنازلي للنفط: من فائض التخزين إلى قرار الإغلاق
تشير بيانات سوق الشحن وتحليلات السلع الأساسية إلى أن استمرار القيود الحالية يعني وصول إيران إلى نقطة تشبع التخزين خلال فترة قصيرة لا تتجاوز بضعة أسابيع. هذا الواقع لا يرتبط فقط بامتلاء الخزانات، بل بما بعده؛ تجاوز السعة التخزينية يفرض على طهران خيارًا أكثر خطورة: خفض الإنتاج أو إغلاق آبار النفط تدريجيًا.
المشكلة أن قطاع النفط الإيراني يعتمد على حقول ناضجة تحتاج إلى إدارة دقيقة للضغط الداخلي. وبالتالي، فإن الإغلاق ليس إجراءً مؤقتًا يمكن التراجع عنه بسهولة، بل خطوة قد تُحدث أضرارًا طويلة الأمد في القدرة الإنتاجية. فكل توقف غير مدروس في الإنتاج يربك التوازن الجيولوجي داخل الحقول، ما يجعل استعادة مستويات الإنتاج السابقة أكثر كلفة وأقل ضمانًا مع مرور الوقت.
وبحسب هذا المنطق، فإن منتصف مايو/ أيار يتحول إلى نقطة مفصلية، حيث تجد إيران نفسها مضطرة لاتخاذ قرار اقتصادي-تقني بالغ الحساسية: إما إيجاد قنوات لتصريف النفط، أو البدء في إيقاف الإنتاج بشكل جزئي، وهو ما ينقل الأزمة من مستوى الضغط إلى مستوى الضرر البنيوي.
بين “أوراق الضغط” وحدود الواقع الاقتصادي
في المقابل، تعتمد إيران على أدوات تقليدية في إدارة المواجهة، تشمل التهديدات السياسية، والتحركات العسكرية غير المباشرة، وإبقاء مستويات التوتر في الأسواق مرتفعة. غير أن هذه الأدوات، رغم فعاليتها في التأثير على أسعار النفط، لا تعالج المشكلة الأساسية المتعلقة بالتخزين والإنتاج.
فالأزمة الحالية، وفق تحليل سوق الطاقة، ليست أزمة سياسية فقط، بل أزمة مادية مرتبطة بحدود البنية التحتية. فحتى في ذروة التصعيد، لا تستطيع إيران خلق مساحات تخزين جديدة أو تغيير سعة منشآتها بسرعة، ما يجعل هامش المناورة محدودًا مقارنة بحجم الضغوط.
في هذا السياق، يكتسب النهج المتشدد الذي اتبعه الرئيس دونالد ترامب في سياسة الضغط على إيران بعدًا عمليًا مختلفًا عن الجدل السياسي المحيط به. فبدل أن يكون الهدف فقط تقليص النفوذ السياسي لطهران، يبدو أن الأثر التراكمي للعقوبات والقيود قد ساهم في دفع النظام النفطي الإيراني نحو “عنق زجاجة زمني”، حيث تتداخل العقوبات مع القيود اللوجستية والفيزيائية.
وبحسب هذا التحليل، فإن إيران لا تملك “أوراقًا رابحة” بالمعنى التقليدي، لأن أدواتها لا تعالج جوهر الأزمة. فهي تستطيع رفع كلفة التصعيد، لكنها لا تستطيع تغيير قواعد التخزين أو إجبار السوق على استيعاب فائض إنتاجها.