الأزمة الإيرانية
النظام الإيراني يعود لإستراتيجية القمع لمواجهة الضغط الشعبي المتصاعد
إذا أمعنا النظر في سلوك وخطاب أقطاب النظام الحاكم في إيران هذه الأيام، سنجد مفردة واحدة تتكرر أكثر من غيرها: "الشارع". فمن الاستنفار الدائم للأجهزة الأمنية وقوات القمع لإبقاء البسيج في الميادين، وصولاً إلى صرخات الملالي عبر منابر صلاة الجمعة التي تشدد على ضرورة احتلال الشوارع بقواتهم، كل ذلك يعكس هلعاً عميقاً ومتجذراً. ولكن، لماذا أصبح "الشارع" كابوساً يؤرق مضجع السلطة إلى هذا الحد؟
تكمن الإجابة في تحول الظروف الإقليمية وتبدد ظلال المواجهات الخارجية. فمع استقرار وقف إطلاق النار في المواجهة بين إيران وأمريكا، وتلاشي تهديدات القصف والحرب الخارجية، لم يعد بإمكان السلطة خداع الرأي العام بفزاعة "الأزمات الخارجية" لإبقاء المجتمع في حالة تجمد. في هذا السياق الجديد، تهيأت الأرضية أكثر من أي وقت مضى لبروز الإحباطات المتراكمة وانطلاق الانتفاضات الشعبية.
يدرك قادة النظام جيداً أن "الشارع" في القاموس السياسي الإيراني المعاصر هو "الاسم المستعار" للنهوض والاحتجاج والإطاحة بالنظام. لهذا السبب، يحاولون بكل قوتهم، عبر نشر الحرس الثوري والبسيج وقوى الأمن، احتلال الشوارع. الهدف من هذا المخطط الأمني هو حقن المجتمع بالخوف ومنع تلاحم الجماهير في ميدان المعركة الرئيسي، للحيلولة دون تشكل النواة الأولى للانتفاضة.
وإلى جانب استراتيجية الشوارع، لجأ النظام إلى أداته القديمة والصدئة: "الإعدام". فقد أطلقت القضاء التابع للنظام دوامة القتل بسرعة غير مسبوقة، حيث يساق شباب الوطن يومياً إلى المشانق تحت ذرائع واهية. وكما أشارت تحليلات المقاومة الإيرانية مراراً، فإن النظام الذي يرى طوق نجاته في المشانق، لا يفعل ذلك من موقع القوة، بل من باب العجز والتخبط في مستنقع السقوط. إن الإعدامات اليومية هي الوجه الآخر لعملية عسكرة الشوارع؛ فكلاهما ينبع من الرعب من فوران غضب الجماهير. تريد السلطة عبر نصب المشانق داخل السجون، بسط ظل الرعب على أرصفة الشوارع.
بيد أن هذه الحيل القمعية لم تعد قادرة على كبح الإرادة العامة. لقد تجاوز المجتمع الإيراني حاجز الخوف، وتجلى غضب الناس المكبوت في قامة "شباب الانتفاضة"؛ أولئك الأبطال الذين سلكوا مسارهم التكاملي عبر "وحدات المقاومة" المنظمة، ووصلوا اليوم إلى نضجهم التاريخي المتمثل في "جيش التحرير". هذا الجيش هو تجسيد لإرادة أمة لا ترى في الشارع ساحة لبطش القامعين، بل ثغراً للفتح والنصر.
إن الرابط العضوي بين احتلال الشوارع ونصب المشانق هو شهادة دامغة على قرب نهاية استبداد هرم. يحاول النظام بناء سد أمام أمواج الانتفاضة العاتية، لكن الشوارع باتت ملكاً لإرادة الشعب التي يقودها شباب الانتفاضة، ومن خلفهم جيش التحرير، لرسم فجر الخلاص واجتثاث هذا الظلام إلى الأبد.
وعطفاً على حملة الإعدامات الواسعة وذعر قادة النظام من الشوارع، قالت مريم رجوي في 22 نيسان/ أبريل خلال كلمتها في البرلمان الأوروبي: "لقد جئت إلى بيت الديمقراطية الأوروبية لأؤكد على حقيقة أن الحرب الرئيسية والحاسمة هي تلك القائمة بين الشعب الإيراني والدكتاتورية الدينية... النظام الذي واجه انتفاضة شاملة في يناير 2026، بات في موقع السقوط، ولم يكن يوماً مهتزاً وضعيفاً وهشاً كما هو اليوم... هذا النظام يرى في غضب المجتمع الإيراني والمقاومة المنظمة تهديداً لوجوده، لا الحرب الخارجية. إن قادة النظام قلقون من تبعات السلام وانفجار الانتفاضة، ومنذ مقتل خامنئي، أبقى النظام كافة قواه في الشوارع لمواجهة الهبات الشعبية".
وفي السياق ذاته، كتبت صحيفة التايمز في تقرير لها: "وصفت السيدة مريم رجوي، في خطابها أمام البرلمان الأوروبي، صمت القادة الأوروبيين حيال موجة الإعدامات السياسية في إيران بأنه غير مبرر، وطالبت الاتحاد الأوروبي باتخاذ موقف حازم. وإذ شددت رجوي على ضرورة التحرك الفوري لوقف الإعدامات، أكدت على وجوب إطلاق سراح السجناء السياسيين فوراً، متهمة نظام طهران باستخدام الإعدام كأداة لبث الرعب في المجتمع، ومحذرة من أن القمع لن يفلح أبداً في وقف تطلعات الشعب الإيراني نحو الحرية".