"دلال" النساء و"جشع" الأطباء وراء ارتفاع معدلات الولادة القيصرية في مصر
تسعى الحكومة المصرية إلى مواجهة توسع ظاهرة الولادة القيصرية؛ فبالرغم من أن العملية القيصرية قد تنقذ أرواحا، فإنها قد تضر أيضا بالأمهات والأطفال إذا لم تكن ضرورية طبيا.
وبحسب بيانات رسمية، يكاد لا يوجد بلد آخر في العالم يولد فيه عدد من الأطفال بعمليات قيصرية كما هو الحال في مصر؛ ففي عام 2021 بلغت نسبة الولادات القيصرية 72في المئة. وفي مدينة بورسعيد لا يولد طبيعيا سوى طفل واحد من بين كل عشرة أطفال.
وتبدو ألمانيا بعيدة عن هذه الأرقام، حيث ولد نحو ثلث الأطفال بعملية قيصرية في عام 2023، إلا أن هذه النسبة تضاعفت تقريبا خلال 30 عاما وفقا لبيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني؛ إذ لم تتجاوز 17في المئة في عام 1993. وتشير منظمة الصحة العالمية، التي كانت توصي لفترة طويلة بنسبة لا تتجاوز 10 إلى 15في المئة، إلى وجود اتجاه عالمي نحو الولادات القيصرية له أسباب مختلفة من بلد إلى آخر
وقالت ملاك العيسوي البالغة من العمر 35 عاما: “قبل موعد ولادتي المتوقع بدأ الطبيب يقنعني بأنني سألد هذا الطفل بعملية قيصرية”. وهكذا حدث الأمر، كما في ولادتيها التاليتين.
وعندما حملت العيسوي للمرة الأولى، كان لديها مطلب أساسي، ألا وهو: الولادة الطبيعية. لكن طبيبها المعالج في مصر كان ـ كما ترجح ـ لديه خطة مختلفة منذ البداية.
وحتى اليوم تتساءل العيسوي عما إذا كانت الولادة الطبيعية أمرا كان بمقدورها تحقيقه، وما إذا كانت العمليات القيصرية التي خضعت لها ضرورية طبيا. وقالت العيسوي عن ولادتها الأولى: “لا أتذكر سوى أنهم لم يتركوا لي خيارا. لم يحاولوا حتى”، مضيفة أنه عندما انفجر كيس الماء وطلبت في المستشفى أن تحاول أولا الولادة الطبيعية، أجابها الطبيب: “موعد عمليتك القيصرية غدا.”
بدورها، قالت يسرا لاشين، التي تدير عيادة لطب النساء في القاهرة، إن العديد من المريضات في مصر وفي العالم العربي يطلبن إجراء عملية قيصرية… هن لا يردن الألم في منتصف الليل ولا يردن مفاجآت”، مضيفة أن هؤلاء النساء يفضلن حدثا مخططا له، وغرفة مثالية مع بالونات وشوكولاتة ووضع مكياج لجلسة تصوير بعد وصول الطفل.
وقد ينطبق ذلك على بعض الأمهات، لكن الأطباء في مصر يلجؤون أيضا إلى العملية القيصرية لأسباب أخرى؛ فالأجر يعد أحد هذه الأسباب، إذ يكسب الأطباء في ظل تزايد أعداد المستشفيات الخاصة أموالا أكثر من خلال العمليات القيصرية، ويتحدث منتقدون أحيانا عن “جشع”. كما يعمل كثير من الأطباء في أكثر من مستشفى بسبب الضغوط الاقتصادية، ويمكنهم التخطيط لأعمالهم بشكل أفضل مع العمليات القيصرية. وغالبا ما تستغرق العملية نحو 15 دقيقة فقط، ما يتيح للطبيب إجراء عشر عمليات أو أكثر خلال الوقت الذي تستغرقه ولادة طبيعية واحدة.
ويصف طبيب النساء شريف حمزة الأمر قائلا: “في الطفل الأول تستغرق الولادة في المتوسط من ست إلى 12 ساعة”، مضيفا أن الطبيب الذي لديه عدة وظائف وحياة خاصة يتساءل من هذا المنطلق، لماذا أفعل ذلك، سأجري عملية قيصرية وأعود إلى المنزل. ويترافق ذلك مع غياب تام تقريبا لمهنة القابلات، وهن إلزاميات في جميع الولادات في ألمانيا.
نسبة الولادات القيصرية بلغت 72في المئة، وفي مدينة بورسعيد لا يولد طبيعيا سوى طفل واحد من بين كل عشرة أطفال
وتواجه مصر أزمة اقتصادية حادة، حيث تشير تقارير إلى أن هناك مستويات فقر مرتفعة. كما أن الخدمات في المستشفيات الحكومية ضعيفة، وغالبا ما تفتقر إلى الأجهزة اللازمة لمتابعة نبض قلب الجنين، كما أن بنوك الدم غالبا فارغة أو غير متوفرة. ولذلك قد تنطوي الولادات الطبيعية على مخاطر أيضا. ومن لديه المقدرة المادية يتجه إلى مستشفى خاص، وكثيرون يدفعون التكاليف من جيوبهم دون تغطية من شركات تأمين صحي.
وتوجد أيضا أبعاد قانونية، إذ قد يواجه الأطباء عقوبات بالسجن إذا حدثت مضاعفات أو وفاة للطفل أو الأم أثناء الولادة الطبيعية، حتى لو التزموا بالبروتوكولات. قال حسين جوهر، أحد أشهر أطباء النساء في القاهرة: “إذا حدث خطأ ما فالطبيب هو المسؤول”، موضحا أن كثيرا من الأطباء يمارسون لذلك ما يسمى بـ”الطب الدفاعي”.
ورغم أن الوضع في ألمانيا لا يقارن بمصر، فإن هناك أيضا ضغوطا قانونية، حيث قالت أندريا كوبكه من رئاسة الاتحاد الألماني للقابلات في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية، العام الماضي، إن الخوف من مطالبات التعويض في حال عدم إجراء عملية قيصرية حاضر بقوة. إضافة إلى ذلك، هناك أيضا عامل ارتفاع متوسط أعمار الأمهات في ألمانيا، وهو ما يزيد المخاطر ويؤدي إلى توجه أكبر نحو العمليات القيصرية.
وتحاول مصر خفض هذه الأرقام، إذ بات يتعين على المستشفيات توثيق حالات العمليات القيصرية وأسبابها. كما جرت مؤخرا عمليات تفتيش في عدد من مستشفيات العاصمة، ومن المقرر توحيد تكاليف الولادات وتدريب قابلات مستقبلا. وتوجد أيضا حملات خاصة تهدف إلى توعية النساء وتشجيعهن على اتخاذ القرار بأنفسهن.
ويصف الخبير ألكسندر دومون نسبة الـ72في المئة الخاصة بالولادات القيصرية بأنها مقلقة، قائلا: “إنها مرتفعة بشكل لا يصدق. هذا ليس طبيا ولا يتوافق مع قسم أبقراط” الذي يلزم الأطباء بعدم إلحاق الضرر بالمرضى. ويعمل دومون، الباحث في جامعة “سيانس بو” في باريس، على مشروع يهدف إلى تعزيز ثقة النساء الحوامل بأنفسهن.
وأضاف دومون أن النساء في الدول الأقل تطورا غالبا لا يستطعن اتخاذ القرار بحرية في هذا الشأن، مشيرا إلى أن الطبيب يمتلك السلطة ويحظى باحترام كبير، وهو جزء من الطبقة العليا، ثري ومتعلم، موضحا أن النساء من الطبقات الأفقر يكن أكثر عرضة للإقناع بإجراء العملية القيصرية. وتابع: “هذه العلاقة ليست عادلة. يجب أن تتمكن المرأة من المشاركة في اتخاذ القرار”.
وقال جوهر: “لا يوجد نظام ولا استشارات كافية للنساء ولا دورات للتحضير للولادة، كما أن عدد القابلات قليل جدا أو شبه معدوم”. إضافة إلى ذلك، فإن التخدير فوق الجافية وهو تقنية تخدير موضعي ووسائل تخفيف الألم الأخرى غالبا غير متاحة أو باهظة التكلفة. وإلى جانب ذلك، تنتشر المخاوف من الولادة، حيث تعاني 70في المئة من النساء الحوامل في مصر من هذا الخوف وفقا لدراسة أجريت عام 2024، مقارنة بنسبة تتراوح بين 5 و15في المئة في الدول الغربية.
وقد يستغرق تغيير هذا الاتجاه سنوات، إذ يعتمد الأمر بشكل خاص على الجيل الأصغر من الأطباء. وبحسب جوهر، فإن هذا الجيل لا يعرف تقريبا مضاعفات الولادة الطبيعية المهبلية، موضحا أن تدريب الأطباء يميل أيضا نحو العمليات القيصرية.