ترامب يعلن الانتصار على إيران… لكن هل حققت الحرب أهدافها؟
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة حققت “انتصاراً” في الحرب ضد إيران بعد أسبوعين من العمليات العسكرية المكثفة التي شنتها واشنطن بالتعاون مع إسرائيل ضد أهداف داخل الأراضي الإيرانية. غير أن إعلان النصر الأميركي يثير تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية والاستراتيجية حول ما إذا كانت الحرب قد حققت فعلاً أهدافها المعلنة، أم أنها أدخلت الشرق الأوسط في مرحلة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار.
واندلعت المواجهة بعد سلسلة من الضربات الجوية والصاروخية استهدفت منشآت عسكرية وبنية تحتية حساسة داخل إيران. ووفقاً للرواية الأميركية، كان الهدف من هذه العمليات تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، وإضعاف نفوذها الإقليمي، إضافة إلى توجيه ضربة حاسمة لبرنامجها النووي وإسقاط نظلمها. لكن تطورات الحرب خلال الأيام الماضية تشير إلى أن الصورة على الأرض أكثر تعقيداً من مجرد إعلان انتصار سريع.
وبينما تؤكد واشنطن أنها ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، لا تزال طهران قادرة على الرد بطرق متعددة. وقد ظهر ذلك بوضوح في تصاعد الهجمات التي استهدفت ناقلات النفط والسفن التجارية في الخليج، إلى جانب تهديدات إيرانية بإحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية من خلال تعطيل الإمدادات أو دفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية قد تصل إلى 200 دولار للبرميل.
وتعكس هذه التطورات قدرة إيران على استخدام أدوات غير تقليدية للرد على الضربات العسكرية، وهو ما يجعل من الصعب اعتبار الحرب قد حُسمت بشكل نهائي.
وفي الصراعات المعاصرة، لا يعتمد ميزان القوة فقط على التفوق العسكري التقليدي، بل أيضاً على القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وتهديد المصالح الحيوية للخصوم.
ويتمثل أحد أبرز مظاهر هذا التأثير في التوتر المتصاعد حول الملاحة في مضيق هرمز، الممر البحري الذي يمر عبره نحو خُمس صادرات النفط العالمية. وتشير تقارير أمنية إلى أن المخاطر التي تواجه حركة السفن في هذا المضيق ما تزال مرتفعة، وهو ما يثير مخاوف من حدوث اضطرابات خطيرة في إمدادات الطاقة العالمية.
وقد انعكس هذا القلق بوضوح في أسواق النفط، حيث شهدت الأسعار تقلبات حادة منذ اندلاع الحرب. فبعد أن اقتربت الأسعار من 120 دولاراً للبرميل، تراجعت لاحقاً لكنها بقيت عند مستويات مرتفعة نسبياً وسط مخاوف مستمرة من انقطاع الإمدادات. كما شهدت أسواق الأسهم العالمية حالة من التراجع نتيجة تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وفي محاولة لاحتواء هذه التداعيات، أعلنت الولايات المتحدة عن خطط للإفراج عن كميات كبيرة من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية. كما أوصت وكالة الطاقة الدولية بالإفراج عن مئات الملايين من البراميل من الاحتياطيات العالمية بهدف تهدئة الأسواق ومنع تفاقم أزمة الطاقة.
ويعكس هذا التدخل حجم القلق الدولي من أن تتحول الحرب إلى صدمة نفطية عالمية تشبه الأزمات التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي.
لكن الجانب الاقتصادي ليس وحده الذي يطرح تساؤلات حول نتائج الحرب. فهناك أيضاً البعد العسكري والاستراتيجي للصراع. فحتى لو نجحت الضربات الأميركية والإسرائيلية في إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية، فإن السؤال الأهم يتمثل في مدى قدرة هذه العمليات على تحقيق الأهداف السياسية بعيدة المدى.
وعلى مدى سنوات، كان أحد الأهداف الرئيسية للسياسة الأميركية تجاه إيران يتمثل في الحد من نفوذها الإقليمي. غير أن شبكة العلاقات والتحالفات التي بنتها طهران في عدد من دول الشرق الأوسط تجعل من الصعب القضاء على هذا النفوذ عبر العمليات العسكرية وحدها.
كما أن إيران أثبتت في السابق قدرتها على التكيف مع الضغوط العسكرية والاقتصادية، وهو ما قد يسمح لها بإعادة بناء جزء من قدراتها خلال فترة زمنية ليست طويلة.
وإضافة إلى ذلك، يبقى ملف البرنامج النووي الإيراني أحد أكثر القضايا تعقيداً في هذا الصراع.
حتى لو نجحت الضربات الأميركية والإسرائيلية في إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية، فإن السؤال الأهم يتمثل في مدى قدرة هذه العمليات على تحقيق الأهداف السياسية بعيدة المدى.
وبينما تؤكد الولايات المتحدة أن الضربات العسكرية استهدفت منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه العمليات قد نجحت بالفعل في القضاء على القدرات النووية الإيرانية أو مجرد تأخيرها. وفي حال كان التأثير مؤقتاً فقط، فإن الحرب قد تكون أخرت المشكلة بدلاً من حلها بشكل نهائي.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل إعلان النصر الأميركي عن السياق السياسي الداخلي في الولايات المتحدة. فتصريحات ترامب جاءت خلال تجمع انتخابي في ولاية كنتاكي في وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وفي مثل هذه الظروف، غالباً ما تلعب النجاحات العسكرية دوراً مهماً في الخطاب السياسي، حيث يمكن تقديمها كدليل على قوة القيادة وحزمها في مواجهة التحديات الخارجية.
لكن هذا البعد السياسي قد يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاستراتيجي على الأرض. فالتاريخ الحديث يظهر أن العديد من الحروب التي أُعلن فيها النصر العسكري لم تنتهِ بالضرورة بتحقيق استقرار دائم أو حل جذري للصراعات التي أدت إليها.
كما أن استمرار الهجمات على منشآت الطاقة والسفن التجارية يشير إلى أن الصراع قد يتحول إلى مرحلة جديدة تقوم على المواجهة غير المباشرة. ففي هذا النوع من الصراعات، لا يكون الهدف تحقيق انتصار عسكري حاسم بقدر ما يكون استنزاف الخصم ورفع كلفة المواجهة عليه.
وفي حال تطور الصراع بهذا الشكل، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة طويلة من التوترات الأمنية والاقتصادية. فالهجمات المتكررة على البنية التحتية للطاقة أو تعطيل حركة الملاحة البحرية يمكن أن يخلق حالة من عدم اليقين تؤثر ليس فقط على دول المنطقة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره.
وفي النهاية، قد يكون إعلان النصر الأميركي خطوة مهمة في الخطاب السياسي، لكنه لا يجيب بالضرورة على السؤال الأهم: هل حققت الحرب أهدافها الاستراتيجية؟ فالإجابة عن هذا السؤال ستعتمد على التطورات التي ستشهدها المنطقة في الأشهر والسنوات المقبلة، وعلى ما إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها قادرين على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية واستراتيجية دائمة.
وحتى الآن، يبدو أن الحرب لم تغلق ملفات الصراع مع إيران بقدر ما أعادت تشكيلها في إطار جديد.
وبينما تتحدث واشنطن عن نهاية المعركة، تشير التطورات في الخليج وأسواق الطاقة إلى أن تداعيات هذا الصراع قد تستمر لفترة طويلة، وربما تشكل بداية فصل جديد في التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط.