إنقاذ معاهدة مياه السند طريق لخفض التصعيد بين الهند وباكستان

وكالة أنباء حضرموت

شنت الهند هجمات صاروخية على أهداف في باكستان في السادس من شهر مايو الجاري فيما تصفه بردّ انتقامي على هجوم شنّه مسلحون في كشمير الخاضعة لسيطرة نيودلهي قتل 26 مدنيا (وتنفي باكستان أيّ تورط في الهجوم).

وفي نفس اليوم أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أنه سوف يوقف أيضا تدفق مياه الهند عبر الحدود الدولية.

ولم يذكر بيان مودي باكستان بالاسم ولكنه يأتي عقب إعلان الهند أنها سوف تعلق معاهدة نهر السند المبرمة عام 1960، وهي اتفاقية مهمة تتعلق بمشاركة المياه مع باكستان، التي تدير التحكم على حوض نهر السند.

وقال وزير الخارجية الهندي فيكرام ميسري إن نيودلهي لن تتراجع عن قرارها الخاص بشأن معاهدة نهر السند حتى تنهي إسلام آباد على نحو موثوق أنشطة مسلحة مزعومة عبر الحدود.

ورد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بالقول إنه سوف يتم اعتبار أيّ تحرك لمنع أو تحويل مسار المياه، من ”أعمال الحرب.”

وقالت المحللة السياسية لينا بدري، وهي زميلة أكاديمية مؤسسة مو إبراهيم، والمشاركة في برنامج الأمن الدولي معهد تشاتام هاوس (المعروف رسميا باسم المعهد الملكي للشؤون الدولية) في تقرير نشره المعهد إن المعاهدة الحيوية تعتبر مثالا على دبلوماسية الموارد، وظلت سارية خلال ثلاثة حروب في واحدة من المناطق الأكثر اضطرابا في العالم، وإنّ تعليقها لا يمكن أن يؤدي إلا إلى تأجيج التوترات بين الجارتين المسلحتين نوويا واللتين على شفا الحرب.

تعليق معاهدة مياه نهر السند قد يحول المياه إلى سلاح إستراتيجي، ويهدد الاستقرار الإقليمي والأمن المائي في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابا

وسوف تكون التداعيات على باكستان خطيرة كونها دولة مصب، حيث يوفر حوض نهر السند نحو 80 في المئة من الزراعة التي تعتمد على الري في باكستان، وهذا قطاع يمثل قرابة 25 في المئة من إجمالي الناتج المحلي ويستوعب 65 في المئة من القوة العاملة.

ويعتمد عشرات الملايين من الأشخاص على مياه الأنهار للحصول على موارد أرزاقهم ولبقائهم على قيد الحياة.

وأضافت بدري أنه ليس لدى الهند حاليا القدرة على الحد من حصول باكستان على المياه، ويرجع ذلك إلى أن معاهدة مياه نهر السند تمنع الهند من إقامة سدود التخزين الضرورية للسيطرة على تدفقات مياه النهر.

ومع ذلك فإنه بتعليق المعاهدة، يمكن للهند أن تختار تجاهل القيود المفروضة عليها بشأن تنظيف الطمي، مما يطلق الرواسب من الخزانات التي يمكن أن تسبب أضرارا هائلة في المجرى المائي. ووفقا لتقارير إعلامية، بدأت الهند بالفعل هذه العملية.

وتابعت بدري أنه دون المعاهدة، قد تكون باكستان عرضة على نحو أكثر خطورة لفيضانات وحالات جفاف. وتلزم معاهدة نهر السند الهند بمشاركة البيانات الهيدروليكية في الوقت الفعلي.

وبين عامي 2010 و2020، تشير تقارير إلى أن الهند قدمت بيانات حيوية تقع في أكثر من 5 آلاف صفحة تتعلق بتوقعات الفيضانات والجفاف والتغيرات في تدفق مياه النهر وذوبان الأنهار الجليدية.

ويهدد تعليق المعاهدة أيضا الترابط الداخلي في باكستان. وتتهم سلطات إقليم السند، الذي يديره حزب الشعب الباكستاني، بالفعل إقليم السند المنبع، الذي تحكمه الرابطة الإسلامية الباكستانية – نواز، بالحصول على أكثر من حصته. وقد تؤجج أيّ تغيرات في تدفق المياه والحصول عليها هذه التوترات.

وقسمت المعاهدة التي توسط فيها البنك الدولي عام 1960، السيطرة على حوض الأنهار بين الهند وباكستان، حيث تم منح الهند السيطرة على الأنهار الشرقية رافي وبيس وسوتليج فيما منح باكستان السيطرة على أنهار السند الغربي وجيهلوم وشيناب.

وفي عام 2016، طلبت باكستان تحكيما عبر محكمة التحكيم بسبب مخاوف بأن مشاريع هندية بشان الطاقة الكهرومائية سوف تقلص تدفقات المياه عبر المجرى المائي. وأصرت الهند على وجود خبير محايد. وجمد البنك الدولي كلا المسارين داعيا إلى إجراء محادثات ثنائية بدلا من ذلك.

وبعد استمرار الجمود استأنف البنك الدولي كلتا العمليتين بالتوازي في عام 2022، ولكن في ذلك العام طلبت الهند علانية إعادة التفاوض بشأن المعاهدة، ولكن باكستان رفضت ذلك.

وقوض غياب وسيط نشط احتمالات إحياء المعاهدة. ولم تعرض أيّ دول حتى الآن قيادة الوساطة التي تركز على المعاهدة.

ويمكن أن تؤدي الولايات المتحدة هذا الدور ولكن يبدو أنه من غير المرجح أن تقوم بذلك.

وردت وزارة الخارجية الأميركية على الهجمات عبر الحدود بدعوة كلتا الدولتين إلى إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة وتجنب التصعيد.

وأعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اهتمام ضئيل في قيادة جهود الوساطة زاعما “أنهما سوف تحلان المشكلة بطريقة أو بأخرى.”

وبالمثل، دعت بكين إلى ضبط النفس ولكنها أيضا خيار غير مناسب بسبب صلاتها الوثيقة مع باكستان ولها مصلحة راسخة في مياه المنطقة.

وتسيطر الصين على جزء من كشمير وتمول سد ديامير بهاشا الباكستاني وتبنى مشروعا ضخما للطاقة الكهرومائية على نهر يارلونج زانجبو/براهمابوترا الذي تتدفق مياهه إلى الهند وبنغلاديش.

ومن المؤكد أن الهجمات عبر الحدود أججت مخاطر الصراع، وربما من الطبيعي أن يركز الاهتمام الدولي على إقناع الجانبين بتجنب المزيد من التصعيد.

ولكن لا يتعين أن تتجاهل جهود الوساطة تعليق معاهدة المياه التي تعتبرها باكستان تهديدا لوجودها نظرا إلى أنه إذا تمت عرقلة تدفق المياه، ربما تتعرض الحكومة الباكستانية لضغوط تدفعها إلى العمل العسكري.

ومن شأن السماح بانهيار المعاهدة دون جهود كبيرة لعزلها عن الأزمة الآخذة في التصعيد، أن يؤدي إلى مخاطر تلاشي عقود من جهود بناء الثقة سمحت بصمود معاهدة مياه نهر السند خلال صراعات سابقة. وسوف يؤجج ذلك أيضا انعدام الثقة المتبادلة ويجعل أي عودة إلى مشاركة تعاونية للمياه أمرا غير محتمل.

ولن يؤدي أيّ تقدم بشأن مشاركة المياه إلى حل التوترات الهندية – الباكستانية فحسب، ولكنه قد يكون بمثابة نقطة دخول حيوية للتواصل حال نشوء حدث خطير حيث لن تكون هناك فرص كثيرة أخرى لخفض التصعيد.

وإذا ركزت الوساطة فقط على معاهدة المياه في البداية، فإنه قد تبدأ حتى وسط نزاع بين الدولتين. ويتعين على البنك الدولي أن يطلق هذا الجهد ويدعو الدول ذات النفوذ إلى دعم قناة وساطة عاجلة.

وأوضحت بدري أنه يجب أن تهدف الوساطة إلى إعادة إدراج المعاهدة في القانون الدولي مع تشجع كلتا الحكومتين على استئناف مشاركة البيانات الهيدروليكية المهمة. وسوف يكون هذا أساسا لإعادة التقييم وإعادة التفاوض بشأن المعاهدة بالنسبة إلى المستقبل لكي تعكس بشكل أفضل التحديات التي تواجهها الدولتان في ما يتعلق بالمناخ والتنمية والتي تغيرت كثيرا منذ عام 1960.

ومن خلال النظر في إطار عالمي، يعد تعليق معاهدة مياه نهر السند توضيحا جليا بشأن الكيفية التي تنهار بها آليات منع النزاعات التي كانت مرنة في السابق تحت وطأة التوتر الجيوسياسي والمشاركة الدولية المحدودة.

وأضافت المحللة بدري أن إنقاذ المعاهدة سوف يثبت أن اتفاقات مشاركة الموارد وبناء الثقة لا تزال قابلة للتطبيق وبصفة خاصة مع مراعاة الخطورة الجسيمة في حدوث المزيد من التصعيد في المنطقة.