567 مليون دولار في شهر.. إشارة جديدة من قناة السويس
بعد نحو 3 سنوات من اضطراب البحر الأحمر وتحول جانب واسع من حركة السفن إلى رأس الرجاء الصالح، بدأت قناة السويس تستقبل إشارات مختلفة هذه المرة، فأعداد السفن ترتفع، والإيرادات تقفز، وأسماء كبرى في صناعة الشحن تعيد خدماتها تدريجيا إلى الممر المصري.
لكن خلف الأرقام القوية يبرز السؤال الأهم: هل بدأت قناة السويس بالفعل رحلة تعويض المليارات التي فقدتها بسبب أزمة البحر الأحمر؟
بيانات أغسطس/آب الماضي تعطي جانبا من الصورة حيث عبرت قناة السويس 1358 سفينة، مقابل 1070 سفينة في أغسطس/آب 2025، بزيادة 27%، بينما قفزت الحمولات الصافية بنسبة 51.1% إلى 68.3 مليون طن.
لكن المؤشر الأبرز جاء من الإيرادات، التي صعدت إلى 567.1 مليون دولار خلال شهر واحد، مقابل 326 مليون دولار في نفس الشهر من العام الماضي، بزيادة سنوية بلغت 56.7%، بحسب بيانات رسمية صادرة عن هيئة قناة السويس.
القفزة رافقها تحركات فعلية من شركات الملاحة العالمية باتجاه العودة إلى الطريق الأقصر بين آسيا وأوروبا.
الحاويات تعود إلى القناة
خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ارتفع إجمالي الحمولات الصافية لسفن الحاويات العابرة للقناة إلى نحو 72.1 مليون طن، مقابل 46.7 مليون طن خلال الفترة نفسها من 2025، بنمو بلغ 54.2%.
وقالت هيئة قناة السويس إن الفترة الأخيرة شهدت استعادة خدمات تابعة لعدد من أكبر الخطوط الملاحية في العالم، بينها CMA CGM وMaersk وMSC وHapag-Lloyd وCOSCO.
وفي سبتمبر/أيلول، سجلت القناة أيضا عودة COSCO إلى العبور جنوبا للمرة الأولى منذ تصاعد التوترات في البحر الأحمر وباب المندب.
ولم تتوقف المؤشرات عند هذا الحد، ففي 14 سبتمبر/أيلول، أعلنت Maersk وHapag-Lloyd إعادة 4 خدمات مشتركة إضافية لنقل الحاويات عبر قناة السويس، هي AE5 وAE11 وAE12 وME2، ضمن شبكة Gemini، لتوسع الشركتان عودتهما التدريجية إلى المسار الذي هجرت غالبية شركات الشحن أجزاء واسعة منه منذ أواخر 2023.
وكانت Maersk قد أعادت بالفعل خلال يوليو/تموز عدة خدمات إلى طريق السويس، مستفيدة من اختصار الرحلات مقارنة بالدوران حول أفريقيا؛ ففي إحدى الخدمات قدرت الشركة أن استخدام المسار المصري يخفض زمن بعض الرحلات بما يصل إلى أسبوعين.
لماذا تعود شركات الشحن؟
خبير اقتصاديات النقل البحري المصري الدكتور أحمد الشامي، يرى أن الإجابة تبدأ من دفتر التكاليف، مؤكدا أن عودة الشركات الكبرى إلى قناة السويس تمثل في الأساس قرارا اقتصاديا تحكمه معادلة التكلفة والعائد ومستويات المخاطر.
وأوضح لـ"العين الإخبارية" أن الدوران حول رأس الرجاء الصالح يعني زيادة مسافة الرحلة واستهلاك الوقود والمصروفات التشغيلية، وهي تكلفة تصبح أكثر ثقلا بالنسبة إلى سفن الحاويات العملاقة.
وبحسب الشامي، تظل قناة السويس "الممر الملاحي الأسهل والأقصر والأوفر" بالنسبة إلى جزء كبير من حركة التجارة، طالما توافرت الظروف الأمنية التي تسمح للشركات بالعودة.
وهذه المعادلة هي نقطة القوة الأساسية للقناة فأزمة البحر الأحمر لم تخلق طريقا أقصر من السويس، وإنما دفعت الشركات إلى قبول الطريق الأطول بسبب المخاطر الأمنية.
ومن ثم، كلما تراجعت علاوة الخطر، تبدأ الفوارق الاقتصادية بين الطريقين في الظهور مجددًا لمصلحة قناة السويس.
لكن هل عادت الملاحة إلى طبيعتها؟
شركة Sea-Intelligence المتخصصة في تحليل سوق الحاويات قدرت في 16 سبتمبر/أيلول أن مستوى عودة حركة الحاويات إلى مسار البحر الأحمر وقناة السويس بلغ نحو 27% فقط خلال الشهر.
وتشير بيانات الشركة إلى أن شركات الملاحة ما زالت أكثر حذرا في الرحلات الأساسية من آسيا إلى أوروبا، إذ تتراوح نسبة العودة إلى البحر الأحمر في هذا الاتجاه بين 13% و25%، بينما أصبحت أكبر في الاتجاه العكسي من أوروبا إلى آسيا.
وقال الرئيس التنفيذي لـSea-Intelligence، آلان مورفي، إن البيانات تعكس تفضيل شركات الملاحة إعادة بعض السعات تدريجيا عبر السويس، خصوصا على الرحلات العائدة نحو آسيا، بدل العودة الكاملة والفورية
بيانات الشركة المتخصصة في تحليل سوق الحاويات توضج أسباب قفزة الإيرادات في أغسطس بنحو 57% على أساس سنوي
وقال عضو مجلس إدارة هيئة قناة السويس سابقا، المهندس وائل قدور، إن اضطرابات الملاحة الممتدة من باب المندب إلى مضيق هرمز ما تزال تحمل خسائر كبيرة للاقتصاد المصري، مقدرًا فاقد الإيرادات المرتبط بتحول السفن عن المنطقة بأكثر من 6 مليارات دولار سنويًا.
وأشار لـ"العين الإخبارية" إلى أن حركة القناة لا تزال بعيدة عن طاقتها التشغيلية التي كانت عليها قبل الاضطرابات، وهو ما يعني أن التحسن الحالي، رغم أهميته، لا يعادل حتى الآن استرداد الحركة التي فُقدت منذ بداية الأزمة.
مفتاح التعافي
ويرى رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية الدكتور خالد الشافعي، أن قناة السويس استطاعت خلال الأزمة الاحتفاظ بأهميتها الاستراتيجية رغم تراجع الحركة والإيرادات، مستفيدة من موقعها الجغرافي والخدمات والحوافز التي قدمتها هيئة القناة.
واعتبر الشافعي في تصريح لـ"العين الإخبارية" أن عودة شركات مثل Maersk وHapag-Lloyd تؤكد استمرار حاجة التجارة العالمية إلى المسار المصري، لكنه ربط استدامة التعافي بتطورات أمن البحر الأحمر وباب المندب.
وأكد أن قرارات شركات الشحن الكبرى لا تبنى على تكلفة الوقود والوقت وحدهما، وإنما يدخل فيها أيضا سعر التأمين على السفينة والشحنة، وسلامة الطواقم، وتقديرات إدارات المخاطر، وإمكانية الالتزام بمواعيد الوصول.