تصعيد نوعي في احتجاجات ليبيا باستهداف المحتجين لمرافق الطاقة
دخلت الاحتجاجات الشعبية في غرب ليبيا مرحلة جديدة أكثر حساسية، بعدما انتقلت من إغلاق الطرق والاعتصامات إلى استهداف منشآت الطاقة، في تصعيد يعكس اتساع فجوة الثقة بين الشارع والسلطات، ويكشف أن الغضب الشعبي لم يعد يقتصر على المطالبة بتحسين الخدمات، بل بات يطال الطريقة التي تُدار بها ثروة البلاد النفطية، في وقت يعيش فيه الليبيون أزمات متفاقمة في الكهرباء والمياه والسيولة وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويحمل استهداف مجمع مليتة للنفط والغاز، أحد أهم مراكز إنتاج الغاز وتغذية محطات الكهرباء، دلالة سياسية تتجاوز الاحتجاج على انقطاع التيار الكهربائي، إذ يمثل رسالة مباشرة مفادها أن المواطنين لم يعودوا يقبلون استمرار المفارقة بين بلد يعد من كبار منتجي النفط في أفريقيا، وبين واقع خدمي يقترب في الكثير من الأحيان من الانهيار.
وفجر الثلاثاء أغلق محتجون مجمع مليتة للنفط والغاز، إلى جانب مقر وزارة النفط والغاز ومقر شركة الزويتينة للنفط في طرابلس، احتجاجا على تدهور الأوضاع المعيشية واستمرار أزمة الخدمات العامة.
ولم تمض ساعات حتى أعلنت حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبدالحميد الدبيبة، استعادة السيطرة على المجمع بواسطة وحدات من الجيش، مع استئناف ضخ الغاز إلى محطات توليد الكهرباء، في محاولة لتفادي انهيار الشبكة الكهربائية بعد تحذيرات رسمية من احتمال دخول البلاد في حالة “إظلام تام”.
وأكدت الحكومة أن قوات الجيش “تمكنت من تأمين مجمع مليتة الصناعي للنفط والغاز بما يضمن سلامة العاملين”، مشيرة إلى استئناف ضخ الغاز تمهيدا لعودة التيار الكهربائي تدريجيا واستقرار الشبكة العامة.
كما توعدت بالتعامل “بحزم ووفقا للقانون” مع أي محاولة تستهدف المرافق الإستراتيجية أو تعطل الخدمات الأساسية، معتبرة أن منشآت النفط والغاز والكهرباء مرافق سيادية لا يجوز استخدامها وسيلة للضغط السياسي أو الشعبي.
ويعكس هذا التحرك إدراك الحكومة لخطورة انتقال الاحتجاجات إلى قطاع الطاقة، لأن أي تعطيل طويل الأمد لإنتاج الغاز أو إمداداته لا يهدد الكهرباء فقط، بل ينعكس أيضا على الصادرات النفطية وإيرادات الدولة، بما يضاعف التداعيات الاقتصادية والسياسية للأزمة.
وجاء هذا التصعيد بعد إعلان المحتجين، لليلة الثانية على التوالي، الدخول في عصيان مدني، عقب احتجاجات واسعة شهدتها عدة أحياء في طرابلس، من بينها تاجوراء وسوق الجمعة والسراج وجنزور وزاوية الدهماني والظهرة، حيث أغلق المتظاهرون الطرق وأشعلوا إطارات السيارات وأقاموا حواجز أمام عدد من المؤسسات الحكومية.
ورفع المحتجون شعارات تطالب بإنهاء أزمة الكهرباء والانقطاع المتكرر للمياه، وتحسين الخدمات الصحية، والحد من ارتفاع الأسعار، وتوفير السيولة النقدية، مع تحميل حكومة الوحدة الوطنية المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع.
وجاءت الاحتجاجات في ظل موجة حر غير مسبوقة رفعت الطلب على الكهرباء، بينما تجاوزت ساعات طرح الأحمال في بعض المناطق أربع عشرة ساعة يوميا، الأمر الذي فاقم حالة الاحتقان الشعبي.
غير أن أزمة الكهرباء تبدو للكثير من متابعي الشأن الليبي مجرد الواجهة الأكثر وضوحا لأزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الدولة ومواردها. فليبيا، رغم امتلاكها احتياطيات نفطية ضخمة تحقق عائدات بمليارات الدولارات سنويا، لا تزال عاجزة عن توفير خدمات أساسية مستقرة، وهو ما يعزز شعور قطاعات واسعة من المواطنين بأن الخلل لم يعد ماليا بقدر ما أصبح مرتبطا بالحكم والإدارة.
كما أن استمرار الانقسام السياسي بين المؤسسات المتنافسة، وتعثر المسار الانتخابي، واتساع نفوذ المجموعات المسلحة، كلها عوامل ساهمت في ترسيخ حالة من الشلل المؤسسي، انعكست مباشرة على مستوى الخدمات العامة وقدرة الدولة على تنفيذ مشاريع البنية التحتية وصيانة شبكات الكهرباء والمياه.
ويرى مراقبون أن انتقال المحتجين إلى استهداف منشآت الطاقة يعكس تحولا في أساليب الضغط، إذ لم تعد الاحتجاجات تكتفي بالتظاهر أمام المقار الحكومية، بل باتت تستهدف القطاع الذي يمثل مصدر القوة الاقتصادية للدولة، في محاولة لدفع السلطات إلى الاستجابة بصورة أسرع.
لكن هذا الخيار ينطوي أيضا على مخاطر كبيرة، لأن تعطيل منشآت النفط والغاز قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال تعميق أزمة الكهرباء، وتقليص الإيرادات العامة، وإضعاف قدرة الدولة على تمويل الخدمات التي يطالب بها المحتجون أنفسهم.
ولهذا سارعت حكومة الدبيبة إلى الدفع بالجيش لتأمين مجمع مليتة وإعادة تشغيل خطوط الغاز، في رسالة تؤكد أن الدولة تعتبر منشآت الطاقة خطا أحمر، وأنها لن تسمح بتحويلها إلى ساحة مواجهة، مهما بلغت حدة الاحتجاجات.
وكانت الشركة العامة للكهرباء قد حذرت، قبل استعادة المجمع، من أن استمرار انخفاض ضغط الغاز قد يؤدي إلى خروج وحدات التوليد تباعا عن الخدمة، وصولا إلى انهيار كامل للشبكة الكهربائية إذا لم تستأنف الإمدادات بصورة عاجلة، ووصفت الوضع بأنه “حرج للغاية”.
ويكشف تطور الأحداث أن ليبيا لم تعد تواجه أزمة خدمات معزولة، بل أزمة ثقة متراكمة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فكلما تأخرت الحلول السياسية والاقتصادية، ازدادت احتمالات انتقال الاحتجاجات إلى استهداف قطاعات أكثر حساسية، بما في ذلك قطاع الطاقة، الذي ظل طوال السنوات الماضية يمثل صمام الأمان للاقتصاد الليبي، وقد يتحول اليوم إلى عنوان جديد للصراع بين الشارع والسلطة، إذا استمرت أسباب الغضب من دون معالجة جذرية.