«اقتصاد البقاء» في اليمن.. أرقام صادمة تكشف آثار انقطاع الرواتب
على مدار سنوات الحرب، لم تعد أزمة الرواتب في اليمن مجرد أزمة مالية، وإنما تحولت إلى نقطة انهيار للاقتصاد والمجتمع، مع اتساع الفقر والبطالة واعتماد الملايين على المساعدات والتحويلات.
خلف انقطاع الرواتب في اليمن تتوارى واحدة من أكبر الكوارث الاقتصادية في البلاد، بعدما تحول الموظف العام من ركيزة للاقتصاد الوطني إلى باحث عن لقمة العيش في بيئة معيشية بالغة التعقيد.
وتُظهر بيانات وزارة الخدمة المدنية والتأمينات اليمنية لعام 2014 أن إجمالي القوام الوظيفي في الجهاز الإداري للدولة بلغ نحو 1.25 مليون موظف.
الريال ضحية الانقسام في اليمن.. بنكان مركزيان وسياسة نقدية غائبة
وتكشف خريطة توزيع القوى العاملة عن تركز الكتلة الأكبر في القطاعين العسكري والأمني بنسبة 52%، يليهما الجهاز الإداري المدني للدولة بنسبة 38%، فيما توزعت النسبة المتبقية بين وحدات القطاع الاقتصادي المملوكة للدولة بنسبة 8%، إضافة إلى العاملين في الصناديق التمويلية الخاصة والوحدات ذات الاستقلال المالي والإداري.
ووفق تقديرات وبيانات إعلامية متطابقة، بلغت فاتورة الأجور والمرتبات السنوية للجهاز الإداري المدني للدولة نحو 430 مليار ريال يمني، بحسب موازنة عام 2014، قبل انقلاب الحوثيين.
وتشير هذه التقديرات إلى أن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين كانت تستحوذ على النصيب الأكبر من هذه الاستحقاقات، بقيمة تُقدر بنحو 336 مليارًا و556 مليون ريال سنويًا، وهي رواتب انقطعت منذ عام 2016، فيما تبلغ فاتورة الأجور والمرتبات في مناطق الحكومة المعترف بها قرابة 83 مليار ريال شهريًا.
بطالة وفقر
أدى انقطاع الرواتب في مناطق سيطرة الحوثيين، إلى جانب تآكل قيمتها في مناطق الحكومة اليمنية، إلى قفزة كبيرة في معدلات البطالة بين الشباب، إذ ارتفعت إلى نحو 60% مقارنة بنحو 14% قبل اندلاع الحرب أواخر عام 2014.
ويؤكد البنك الدولي، في تقاريره حول اليمن، أن شخصًا واحدًا من كل ستة أشخاص في سن العمل لا يجد فرصة عمل، فيما تتفاقم الأزمة بصورة أكبر بين الشباب نتيجة استمرار الصراع وانكماش النشاط الاقتصادي.
اليمن في قبضة أزمة السيولة.. بنوك بلا نقد واقتصاد على حافة الانهيار
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة اليمنية أن أكثر من 80% من السكان، الذين يتجاوز عددهم 30 مليون نسمة، يعيشون تحت خط الفقر، تشير التقديرات الأممية إلى أن نسبة من يعانون الفقر متعدد الأبعاد بلغت 82.7%، أي إن ثمانية من كل عشرة يمنيين يعيشون في ظروف فقر مركب.
ومع حلول عام 2026، بات نحو 18.1 مليون شخص يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، مع توقعات بارتفاع معدلات الفقر واعتماد الأسر على وسائل مواجهة بالغة الخطورة، مثل تقليل الوجبات الغذائية وبيع الأصول الأساسية، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
المساعدات وتحويلات المغتربين
في ظل أزمة انقطاع الرواتب، شهدت غالبية الأسر اليمنية تحولًا جذريًا نحو الاعتماد على المساعدات الخارجية وتحويلات المغتربين، التي أصبحت تمثل الشريان النقدي الأهم للاقتصاد اليمني.
وجاء هذا التحول القسري بعد تراجع متوسط دخل الفرد في اليمن بنحو 60%، وانخفاض القدرة الشرائية للأسر بصورة حادة، لتصبح الغالبية عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية.
ونتيجة لهذا التدهور، اتسعت الفجوة التمويلية والإغاثية، إذ تشير أحدث البيانات الأممية إلى أن نحو 12 مليون شخص يستفيدون حاليًا من المساعدات الإنسانية، بينما يصل إجمالي المحتاجين إلى هذا الدعم إلى نحو 22.3 مليون شخص، بينهم 5.2 مليون نازح داخليًا.
في المقابل، برزت تحويلات المغتربين باعتبارها شريان الحياة الأول للاقتصاد اليمني، بعدما أصبحت أهم مصدر للعملة الأجنبية وتغذية المعروض النقدي، عقب توقف صادرات النفط، وهو ما ساهم في إنقاذ ملايين الأسر، ودعم استقرار العملة الوطنية، والحفاظ على استمرارية استيراد السلع الأساسية.
وتعكس تقديرات البنك الدولي أهمية هذه التدفقات، إذ تبلغ تحويلات المغتربين اليمنيين نحو 4 مليارات دولار سنويًا، بينما تشير تقارير اقتصادية إلى أن إجمالي التحويلات عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية يتجاوز 7.4 مليار دولار.
ارتفاع الأسعار
يعاني اليمن واحدًا من أعلى معدلات التضخم في العالم، إذ وصل إلى نحو 60%، بينما ارتفعت أسعار السلع بأكثر من 400% مقارنة بمستوياتها قبل الحرب أواخر عام 2014.
وأصبح اليمن يحتل المرتبة السادسة والأربعين عالميًا في مؤشر تكلفة المعيشة لعام 2026، والثانية عربيًا، مع استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، دون تحسن مماثل في الأجور أو القوة الشرائية، ما ضاعف الضغوط المعيشية على السكان.
وانعكست هذه الصدمات السعرية مباشرة على الأمن الغذائي، إذ تشير التقارير الأممية إلى أن جميع المحافظات اليمنية تجاوزت مستوى "الحرمان الغذائي المرتفع جدًا"، فيما سجلت محافظات البيضاء والجوف والضالع ولحج وريمة وشبوة وعمران وحجة وأبين أعلى معدلات الحرمان الغذائي.
خطوات الإنعاش
يرى خبراء اقتصاديون أن سنوات انقطاع الرواتب أحدثت تحولًا جذريًا في مصادر دخل الأسرة اليمنية، بعدما انتقلت من الاعتماد على الوظيفة الحكومية إلى ما يُعرف بـ"اقتصاد البقاء".
وباتت الأسر تعتمد بصورة رئيسية على الأعمال اليومية غير المنتظمة، وتحويلات المغتربين، والمساعدات الإنسانية، والديون المتراكمة لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية.
ويؤكد الخبراء أن الاقتصاد الموازي أصبح اليوم الشبكة الاجتماعية والاقتصادية الأهم للبقاء، إذ يستوعب نحو 73.7% من إجمالي القوى العاملة، بعدما تحول من قطاع هامشي إلى العمود الفقري للاقتصاد، نتيجة الانهيار المؤسسي، وتوقف صادرات النفط والغاز، وغياب الوظائف الرسمية.
وفي هذا السياق، طرح أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة تعز، الدكتور محمد قحطان، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، مجموعة من الحلول التي وصفها بالضرورية لإنعاش الاقتصاد اليمني والتخفيف من الأعباء المعيشية.
وأكد قحطان ضرورة تحقيق استقرار نقدي عبر خفض تدريجي لسعر صرف العملات الأجنبية بما يؤدي إلى توحيد قيمة العملة الوطنية واستعادة قدرتها الشرائية.
كما شدد على أهمية مكافحة الفساد المالي، وتطبيق موازنات تقشفية، ووقف استنزاف العملة الصعبة في نفقات المسؤولين المقيمين خارج البلاد.
ودعا أيضًا إلى إعادة تشغيل مصافي تكرير النفط في عدن ومأرب وحضرموت، لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وأوضح أن هذه الإجراءات تستهدف تعزيز موارد الدولة، وحماية الاقتصاد من الانهيار الكامل، عبر تنفيذ إصلاحات هيكلية جادة ومستدامة.
وأشار قحطان إلى أن نجاح هذه الإصلاحات يتطلب إرادة سياسية حقيقية تسهم في زيادة تدفقات الإيرادات، وفي مقدمتها تحويلات المغتربين اليمنيين، بما يساعد على إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، خاصة مع معالجة العجز المالي واستقرار سعر صرف العملة الوطنية، لأن الطبقة الوسطى، وعلى رأسها موظفو الدولة، تمثل المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، لكنها تعرضت للسحق نتيجة انقطاع الرواتب أو تآكل قيمتها.
وأكد أن القوة الشرائية للدخل تراجعت بنسبة 86%، رغم التحسن النسبي في سعر صرف الريال اليمني داخل مناطق نفوذ الحكومة الشرعية.
واختتم قحطان حديثه بالتأكيد على أن استعادة عافية الاقتصاد اليمني مرهونة بمواجهة التضخم والكساد، عبر استقرار سعر صرف الريال، وإنهاء الانقسام النقدي، أو على الأقل تقليص الفجوة بين أسعار الصرف في مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين، بما يسهم في إعادة تنشيط الحركة التجارية والاقتصادية على مستوى البلاد.