التحالف الوهمي.. كيف انكشفت عزلة الرياض في اليمن وسقطت سردية "التحالف العربي"

جهاد محسن
وكالة أنباء حضرموت

لم يعد توصيف ما تسميه المملكة العربية السعودية بـ"التحالف العربي" في اليمن توصيفاً دقيقاً أو منسجماً مع الوقائع الميدانية والسياسية القائمة، خصوصاً بعد أن فقد هذا التحالف مضمونه الفعلي وتحول إلى عنوان إعلامي أكثر منه إطاراً عسكرياً أو سياسياً قائماً على الأرض.

فالسعودية ما تزال تتمسك بمصطلح "التحالف العربي" وتزعم قيادته في مواجهة جماعة الحوثي، رغم أن غالبية الدول التي أعلن عن مشاركتها ضمنه منذ عام 2015م لم يعد لها أي حضور فعلي في المشهد اليمني، ولم يبقى وقتها إلى جانب الرياض عملياً سوى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي قدمت تضحيات كبيرة في اليمن قبل أن تتعرض لغدر وخذلان سعودي أفضى في نهاية المطاف إلى انسحابها من واجهة الملف اليمني.

 

تحالف ولد واسعا وانتهى سريعا

عندما أعلنت السعودية في مارس 2015م عن تشكيل تحالف عسكري واسع لمواجهة الحوثيين، حرصت على تقديمه بوصفه تحالفاً عربياً وإسلامياً كبيراً يضم عشرات الدول.

غير أن هذا الزخم الإعلامي لم ينعكس على أرض الواقع طويلاً، إذ سرعان ما بدأت ملامح التراجع والانكفاء تظهر مبكراً، ليتحول ذلك التحالف إلى صيغة شكلية فقدت تدريجياً معناها السياسي والعسكري.

وينظر إلى حادثة إسقاط المقاتلة المغربية في صنعاء خلال الأيام الأولى من الحرب، ومقتل قائدها، بوصفها واحدة من أولى المحطات التي كشفت هشاشة هذا التشكيل المعلن، وما تبعها من تعقيدات مرتبطة بجثمان الطيار، مع إصرار الحوثيين حينها تسليم جثمان الطيار المغربي إلى المبعوث الأممي إلى اليمن آنذاك جمال بنعمر، المغربي الأصل، ليتولى نقله وتسليمه إلى سلطات بلاده. 

وفي وقت كانت فيه الرياض تحاول تثبيت صورة تحالف متماسك، أخذ الحضور الفعلي للدول المعلنة يتآكل، حتى انحصر المشهد عملياً بين السعودية والإمارات فقط، فيما اختفت بقية الأطراف من مسرح الفعل العسكري المباشر.

 

من تحالف عربي إلى شراكة محصورة بين الرياض وأبو ظبي

مع مرور الوقت لم يعد ما يسمى بالتحالف العربي سوى إطار محصور بين الرياض وأبوظبي، في ظل غياب بقية الأطراف التي جرى تقديمها للرأي العام باعتبارها جزءاً من المعركة، وخلال تلك المرحلة برز الدور الإماراتي بوصفه الأكثر حضوراً وتأثيراً على المستويين العسكري والإنساني، سواء في دعم تشكيلات قتالية مقاومة على الأرض، أو في معارك مواجهة الجماعات الإرهابية وتحرير مناطق الجنوب من قبضة التطرف.

غير أن هذا المسار لم يستمر على الوتيرة ذاتها إذ اتجهت السعودية نحو التفرد بإدارة القرار اليمني ومحاولة احتكار مسار الحرب والتسوية، مع إبقاء الإمارات في واجهة تحمل الكلفة الميدانية والإنسانية، هذا النهج أسهم في تعميق فجوة الخلاف بين الطرفين، وانتهى إلى تراجع الدور الإماراتي وانسحابها من واجهة الملف اليمني بعد سنوات من التضحيات والدعم.

 

الرياض بعد الانسحاب الإماراتي.. ورطة الانفراد وكلفة المواجهة

أدى تراجع الحضور الإماراتي إلى وضع السعودية أمام واقع أكثر تعقيداً، إذ وجدت نفسها في مواجهة مفتوحة مع تبعات الحرب دون الغطاء الذي كانت تستند إليه سياسياً وميدانياً، وباتت الرياض تتحمل منفردة أعباء المواجهة مع الحوثيين شمالاً، وإدارة التعقيدات الأمنية والسياسية في الجنوب والمناطق المحررة، في ظل تصاعد التهديدات الحوثية واتساع دائرة الاستنزاف.

ووفق هذا المنظور تبدو السعودية اليوم أمام مأزق حقيقي صنعته بنفسها، نتيجة سياسة الاستفراد بالقرار، وإقصاء الشركاء، وسوء تقدير طبيعة المعركة وتعقيدات الجغرافيا اليمنية.

كما أن الخطاب السعودي الذي ما يزال يتحدث عن "تحالف عربي" لم يعد ينسجم مع الواقع، وبات أقرب إلى محاولة إنعاش صيغة فقدت مضمونها ولم تعد قائمة إلا في البيانات والخطابات الرسمية.

 

الاستعانة بالقوات الأجنبية وارتباك إدارة الحدود

بعد تراجع مظلة التحالف اتجهت الرياض إلى خيارات بديلة لتعويض الفراغ الأمني والعسكري، من بينها الاستعانة بعناصر ومرتزقة من كينيا ودول إفريقية، في محاولة لتعزيز حماية حدودها الجنوبية واحتواء مخاطر التهديد الحوثي، كما سلمت السعودية حضرموت للتنظيمات المتطرفة لحماية حدودها من الجهة الشرقية اليمنية، قبل أن تتدخل قوات مدعومة من الإمارات لاحقاً في عمليات تطهير ومكافحة للإرهاب في عدد من المناطق الجنوبية قبل أن تتحول إلى مدن متطرفة.

ومع تصاعد المخاوف من أي هجمات أو تهديدات حوثية جديدة، تبدو الرياض وكأنها اليوم تبحث مجدداً عن حلول خارجية، بما في ذلك الرهان على استقدام قوات باكستانية وأجنبية لتوسيع نطاق الحماية لحدودها، ما تعكس أزمة بنيوية في فهم الأمن الإقليمي، وتؤكد أن المال وحده لا يصنع تحالفاً حقيقياً، ولا يشتري استقراراً دائماً في بيئة معقدة كاليمن.

 

فشل سعودي يتجاوز اليمن إلى الإقليم

تكشف التجربة اليمنية وفق هذا المنظور أن الأزمة التي تعيشها السعودية وحدها لم تعد محصورة في إخفاق إدارة الحرب ضد الحوثيين، بل تمتد إلى طبيعة السياسة التي أدارت بها الرياض علاقاتها مع شركائها وحلفائها في المنطقة، فبدلاً من بناء شراكات متوازنة قائمة على وضوح الأهداف وتقاسم المسؤوليات، اختارت المملكة نهج الهيمنة والاستحواذ والتفرد بالقرار، وهو ما انعكس سلباً على مسار الحرب، وعلى تماسك المعسكر المناهض للحوثيين.

إن ما تصر الرياض على تسميته بـ"التحالف العربي" لم يعد اليوم سوى عنوان سياسي مستهلك، فقد أطرافه المؤثرة، وتراجع تأثيره، وانكشفت محدودية قدرته على صناعة نتائج حقيقية في اليمن، أما السعودية فقد باتت أكثر انكشافاً أمام نتائج سياساتها السلبية، وأكثر غرقاً في مستنقع الحرب اليمنية، بعد أن خسرت الشراكة الفاعلة، وأرهقتها كلفة المواجهة، ووجدت نفسها وحيدة في مواجهة استحقاقات ميدانية وسياسية وأمنية بمنأى عن جيرانها دول الخليج ومؤازرة أشقائها العرب، والتي تتجاوز قدرتها على المناورة والخطاب.