صراع الأجنحة داخل الحرس الثوري يهدد وحدة القرار
أعادت الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، رسم ملامح السلطة داخل الجمهورية الإسلامية على نحو مفاجئ وعنيف.
وفي الساعات الأولى من المواجهة، تعرضت بنية القيادة الإيرانية لضربة قاصمة أطاحت بعدد من رموزها الأساسيين، ما أدخل النظام في حالة من الضبابية غير المسبوقة.
ومنذ ذلك الحين، لم يظهر المرشد الأعلى مجتبى خامنئي إلى العلن، ورغم صدور بيانات باسمه، فإن الشكوك لا تزال قائمة حول وضعه الحقيقي، سواء من حيث قدرته على إدارة شؤون الدولة أو حتى بقائه على قيد الحياة.
وفي موازاة ذلك، تراجع حضور الرئيس مسعود بزشكيان إلى حد كبير، ليبدو وكأنه مجرد واجهة شكلية في نظام تتنازعه مراكز قوى متعددة تتصارع بصمت على تحديد اتجاهه.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبرز الحرس الثوري الإيراني بوصفه الفاعل الأكثر تأثيرًا، بل والحاكم الفعلي للبلاد. غير أن هذا التوصيف يخفي وراءه حقيقة أكثر تعقيدًا، إذ إن الحرس الثوري ليس كتلة متماسكة، بل هو منظومة متشعبة من الفصائل والتيارات التي تختلف في أولوياتها ورؤيتها لمستقبل النظام.
بينما تسعى الفصائل المختلفة إلى تثبيت مواقعها، يبقى مستقبل البلاد مفتوحًا على عدة احتمالات، في ظل غياب حسم واضح لصراع يدور في العمق، لكنه يترك تأثيراته على مجمل المشهد السياسي
ويجعل هذا التعدد في مراكز النفوذ من الصعب الحديث عن قرار موحد، ويحوّل عملية صنع القرار إلى ساحة تنافس مستمر بين أجنحة تسعى كل منها إلى ترسيخ موقعها في لحظة تاريخية شديدة الحساسية.
ويتمحور أحد أبرز هذه الأجنحة حول محمد باقر قاليباف، الذي يجمع بين خبرته العسكرية السابقة في الحرس الثوري وموقعه الحالي كرئيس للبرلمان.
ويمثل هذا التيار مقاربة براغماتية تحاول التوفيق بين متطلبات الأمن ومقتضيات السياسة، حيث يسعى قاليباف إلى تقديم نفسه كشريك محتمل في أي مسار تفاوضي، دون أن يتخلى عن ولائه العميق لبنية النظام.
وتمنحه هذه البراغماتية هامشا من الحركة، لكنها في الوقت ذاته تضعه في موقع حساس، إذ ينظر إليه خصومه داخل الحرس بعين الريبة، باعتباره يسعى إلى توظيف الانفتاح التكتيكي لتعزيز نفوذه الشخصي.
وفي المقابل، يبرز جناح آخر أكثر تركيزًا على الداخل، يقوده محمد باقر ذو القدر، الذي يتولى موقعًا محوريًا في المجلس الأعلى للأمن القومي.
ويضع هذا التيار مسألة السيطرة الداخلية في صدارة أولوياته، معتمدًا على أدوات المراقبة والنفوذ القضائي وإدارة الأزمات لضمان استمرارية النظام.
ومن منظور هذا الجناح، فإن التحديات التي تواجه إيران لا تستدعي التكيف بقدر ما تتطلب الاحتواء والضبط، حتى لو كان ذلك على حساب أي انفتاح سياسي أو اقتصادي.
وتعكس هذه المقاربة عقلية أمنية ترى في الاستقرار هدفًا بحد ذاته، وتتعامل مع الضغوط الخارجية باعتبارها امتدادًا لتهديدات داخلية يجب السيطرة عليها.
وأما الجناح الثالث، المرتبط بشخصيات عسكرية مثل أحمد وحيدي وعلي فدوي، فيمثل التيار الأكثر تشددًا، خاصة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية.
وينطلق هذا الفصيل من قناعة راسخة بأن إظهار القوة هو السبيل الوحيد للحفاظ على موقع إيران الإقليمي، وأن أي تنازل في مواجهة الضغوط الدولية سيُفسَّر كعلامة ضعف.
ولذلك، يميل هذا التيار إلى رفض أي حوار مع الولايات المتحدة، أو على الأقل يعارض تقديم تنازلات جوهرية في أي مفاوضات محتملة.
ويجد هذا التوجه دعما من شخصيات أخرى بارزة تتبنى خطابا أيديولوجيا صارما، ما يعزز حضوره داخل المشهد العام.
وفي ظل صعود هذه الأجنحة الأمنية، يبدو أن المؤسسة الدينية التقليدية، المتمركزة في مدينة قم، تشهد تراجعا تدريجيا في نفوذها. فبعد أن كانت تشكل أحد الأعمدة الرئيسية للنظام، بات دورها اليوم أقرب إلى توفير الغطاء الشرعي للقرارات التي تتخذها مراكز القوة الفعلية.
ومع أن هذا الدور لا يزال مهما من الناحية الرمزية، فإنه لم يعد حاسما في توجيه السياسات، خاصة في ظل هيمنة منطق الأمن على حساب الاعتبارات الأيديولوجية.
وتنعكس هذه الانقسامات بوضوح في الخطاب الرسمي الإيراني، الذي بات يتسم بتناقضات لافتة. ففي الوقت الذي تُطرح فيه إشارات إلى الاستعداد للتفاوض، تصدر في المقابل مواقف متشددة ترفض أي تقارب مع واشنطن.
ولا يقتصر هذا التباين على التصريحات، بل يمتد إلى مواقف المؤسسات المختلفة، حيث تبدو وزارة الخارجية أحيانًا في وادٍ، وبعض المنابر الإعلامية المقربة من دوائر القرار في وادٍ آخر.
ويعكس هذا الواقع غياب مركز قرار موحد، ويشير إلى أن ما يبدو كتناقض في الخطاب هو في الحقيقة انعكاس لصراع داخلي على تحديد الاتجاه الإستراتيجي للدولة.
وفي هذا السياق، تكتسب وسائل الإعلام أهمية خاصة، إذ تتحول إلى ساحة موازية للصراع بين الفصائل.
التعدد في مراكز النفوذ يجعل من الصعب الحديث عن قرار موحد، ويحوّل عملية صنع القرار إلى ساحة تنافس مستمر بين الأجنحة
وفي نظام يقوم على التحكم في الرواية، تصبح القدرة على توجيه الخطاب العام أداة أساسية للنفوذ.
ولذلك، يسعى كل جناح إلى استخدام المنابر الإعلامية لتعزيز موقعه، سواء من خلال الترويج لخطابه أو عبر تقويض خصومه.
وفي كثير من الأحيان، يبدو أن التصعيد في الخطاب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل موجه بالأساس إلى الداخل، في محاولة لكسب تأييد القواعد الموالية للنظام وإظهار الالتزام بالثوابت الأيديولوجية.
في ظل هذا المشهد المتشظي، تبدو إيران مقبلة على مرحلة من عدم اليقين، حيث يتداخل الصراع على السلطة مع التحديات الخارجية، ليخلق بيئة شديدة التعقيد. فغياب قيادة واضحة، وتعدد مراكز القرار، وتفاقم التنافس بين الفصائل، كلها عوامل تجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأحداث، سواء على المستوى الداخلي أو في ما يتعلق بالعلاقات مع الخارج.
ومع تصاعد هذا التنافس، لا يُستبعد أن يتخذ أشكالًا أكثر حدة، تتراوح بين تعطيل القرارات وحملات التشويه، وصولًا إلى محاولات إقصاء بعض الفاعلين من المشهد.
وبالنسبة للولايات المتحدة، يطرح هذا الواقع تحديات كبيرة، إذ إن التعامل مع نظام منقسم داخليًا يختلف جذريًا عن التفاوض مع قيادة موحدة. فغياب وضوح في مراكز القرار يجعل من الصعب تحديد الطرف القادر على الالتزام بأي اتفاق، كما يزيد من احتمالات حدوث سوء تقدير نتيجة تضارب المواقف.
وإضافة إلى ذلك، قد تسعى بعض الفصائل إلى تقويض أي مسار تفاوضي، سواء بدافع أيديولوجي أو في إطار صراعها الداخلي على النفوذ.
وتكشف هذه التطورات أن إيران تعيش مرحلة انتقالية معقدة، تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام. وبينما تسعى الفصائل المختلفة إلى تثبيت مواقعها، يبقى مستقبل البلاد مفتوحًا على عدة احتمالات، في ظل غياب حسم واضح لصراع يدور في العمق، لكنه يترك تأثيراته على مجمل المشهد السياسي.
وفي انتظار أن تتضح معالم القيادة الجديدة، سيظل السؤال حول من يحكم إيران فعليا قائما، مع ما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدود الداخل الإيراني إلى الإقليم بأسره.