تأخر الرواتب وقيود السحب النقدي يضاعفان معاناة اليمنيين
تتفاقم أزمة السيولة النقدية بشكل متسارع في مناطق الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في جنوب وشرق البلاد، لتتحول من أزمة مالية تقليدية إلى عبء يومي مباشر يطاول حياة المواطنين والتجار على حد سواء.
وفي قلب هذه الأزمة، يبرز تأخر صرف الرواتب وفرض قيود مشددة على عمليات السحب النقدي كعاملين رئيسيين يضاعفان معاناة السكان، ويزيدان من هشاشة الوضع الاقتصادي.
وتعيش مدينة عدن ومدن أخرى في الجنوب والشرق على وقع اضطرابات مالية متواصلة، إذ يشكو موظفو القطاع العام، بمن فيهم العاملون في المؤسسات المدنية والعسكرية، من تأخر صرف رواتبهم لفترات، وصلت في بعض الحالات إلى خمسة أشهر، بينما تُصرف في حالات أخرى بشكل جزئي ومتقطع، ما دفع آلاف الأسر إلى الاعتماد على مصادر دخل غير مستقرة أو على التحويلات الخارجية لتغطية احتياجاتها الأساسية.
ولا يمثّل هذا التأخر في الرواتب مجرد مشكلة إدارية، بل تحوّل إلى أزمة معيشية متكاملة، انعكست بشكل مباشر على قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم اليومية، من دفع الإيجارات إلى شراء الغذاء والدواء.
ومع غياب السيولة النقدية في الأسواق، تجد كثير من الأسر نفسها في مواجهة مباشرة مع ارتفاع الأسعار، وعاجزة عن التصرف بأموالها، حتى وإن كانت متوفرة رقمياً أو عبر الحسابات المصرفية.
وفي موازاة أزمة الرواتب، تفرض البنوك وشركات الصرافة قيوداً صارمة على عمليات السحب النقدي، ما أدى إلى تفاقم حالة الشلل المالي.
ويشتكي المواطنون من تحديد سقوف يومية منخفضة للسحب لا تتناسب مع حجم الالتزامات المعيشية، إذ لا تتجاوز في بعض الحالات مبالغ محدودة لا تغطي سوى جزء بسيط من الاحتياجات الشهرية.
وتقول إحدى المواطنات في عدن، وهي أرملة تعيل ثلاثة أبناء، إن “الوضع أصبح صعباً للغاية، فحتى المبالغ الصغيرة لم يعد من السهل الحصول عليها من محلات الصرافة، التي ترفض أحياناً صرف مبالغ بسيطة، سواء بالعملة الأجنبية أو المحلية”.
وتضيف أن الأسر باتت تعتمد بشكل متزايد على حوالات المغتربين، إلا أن هذه التحويلات تواجه أيضاً صعوبات في الصرف بسبب نقص السيولة وتشديد القيود.
ومن جانبه، يشير أحد العاملين في قطاع الخدمات الطبية إلى أن الأزمة أثّرت بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية، قائلاً إنه لم يعد قادراً على دفع إيجار منزله دفعة واحدة، أو شراء الاحتياجات الأساسية للأسرة بشكل منتظم، بسبب محدودية السحب النقدي، التي لا تتجاوز في بعض الأحيان خمسين دولاراً يومياً، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية الالتزامات المتزايدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تمرّ به المالية العامة في مناطق الحكومة، حيث تواجه السلطات عجزاً متزايداً في الموارد، نتيجة توقف صادرات النفط منذ أكتوبر 2022، وتراجع الإيرادات العامة، إلى جانب امتناع بعض السلطات المحلية في محافظات مثل مأرب وحضرموت والمهرة وتعز عن توريد إيراداتها إلى البنك المركزي في عدن، رغم القرارات الحكومية وخطط الإصلاح الاقتصادي المدعومة دولياً.
وبحسب مسؤولين في البنك المركزي، فإن هذا التشتت في الإيرادات، إلى جانب تراكم مبالغ نقدية كبيرة خارج النظام المصرفي لدى شركات الصرافة والتجار، أدى إلى تفاقم أزمة السيولة داخل الجهاز المالي للدولة.
ويؤكد هؤلاء أن الحكومة لم تعد تمتلك موارد كافية لتغطية نفقاتها الأساسية، بما في ذلك رواتب الموظفين وتشغيل الخدمات العامة، ما يضع البلاد أمام ضغوط مالية غير مسبوقة.
وفي الوقت ذاته، يربط خبراء اقتصاديون الأزمة بعوامل هيكلية أعمق، تتعلق بضعف قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات وغياب الانضباط المالي في المؤسسات الحكومية.
ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في شح السيولة، بل في سوء إدارة الموارد المتاحة، ووجود فائض نقدي كبير خارج الجهاز المصرفي يُستخدم في المضاربة بالعملة بدلاً من توظيفه في الدورة الاقتصادية الرسمية.
ويذهب هذا الرأي إلى اعتبار أن جزءا كبيرا من الأزمة “مفتعل”، نتيجة سلوكيات اقتصادية غير منظمة، إذ يفضل العديد من التجار وشركات الصرافة والأفراد الاحتفاظ بالنقد خارج البنوك، ما يحدّ من قدرة النظام المصرفي على إدارة السيولة بشكل فعال، ويزيد من الضغط على العملة المحلية.
وفي المقابل، تتخذ السلطات النقدية إجراءات محدودة للتخفيف من حدة الأزمة، من بينها رفع أسعار الفائدة على ودائع الادخار بالعملة المحلية في البنوك التجارية، بهدف جذب السيولة إلى النظام المصرفي وتشجيع الأفراد على إيداع أموالهم بدلاً من الاحتفاظ بها خارج البنوك، إلا أن هذه الإجراءات لا تزال غير كافية لمعالجة جذور الأزمة المتفاقمة.
وتتزامن هذه الأوضاع مع تحذيرات دولية من استمرار الضغوط التضخمية في اليمن خلال الأشهر المقبلة، ما قد يدفع المزيد من الأسر إلى تقليص استهلاكها الغذائي واللجوء إلى وسائل تكيف قاسية، في ظل اقتصاد هش يعاني من صدمات متلاحقة منذ سنوات.
في موازاة أزمة الرواتب، تفرض البنوك وشركات الصرافة قيودا صارمة على عمليات السحب، ما أدى إلى تفاقم حالة الشلل المالي
وبين تأخر الرواتب، وقيود السحب، وتراجع الإيرادات، يجد المواطن اليمني نفسه في مواجهة أزمة مركبة تتجاوز الجانب المالي إلى عمق الحياة اليومية، حيث تتحول السيولة النقدية إلى عنصر نادر، ويصبح الحصول على النقد تحديا يوميا لا يقل صعوبة عن تأمين الاحتياجات الأساسية.
ويرى الخبراء أن أزمة السيولة في اليمن لم تعد مجرد اختلال نقدي عابر، بل تحوّلت إلى مرآة مكشوفة لأزمة إدارة وغياب ثقة تضرب في عمق الدولة ومؤسساتها. فحين تعجز الحكومة عن دفع الرواتب بانتظام، ويعجز المواطن عن سحب أمواله، يصبح الاقتصاد رهينة لدوامة من الشلل والتآكل البطيء. وبين نقدٍ مكدّس خارج البنوك، وإيرادات لا تجد طريقها إلى الخزينة، تتآكل قدرة الدولة على الفعل، وتتسع هوة المعاناة اليومية.
وفي ظل هذا المشهد، لن تكون استعادة التوازن ممكنة بإجراءات جزئية، بل بإعادة بناء منظومة مالية منضبطة تعيد الثقة قبل السيولة، وتضع حداً لفوضى إدارة الموارد التي باتت أخطر من ندرتها.