بروكسل تتجاوز دور "المانح" للفلسطينيين إلى محرك لحل الدولتين

وكالة أنباء حضرموت

أكّد الأوروبيون دعمهم الراسخ للسلطة الفلسطينية وحل الدولتين الاثنين، في تحرك دبلوماسي لافت يأتي في وقت تنشغل فيه الإدارة الأميركية بالأزمة مع إيران.

وجاءت هذه الجهود الأوروبية في مناخ سياسي يتسم بالتوتر، وبعد أن همّش الرئيس الأميركي دونالد ترامب السلطة الفلسطينية في إطار خططه المقترحة لمستقبل غزة.

ويعكس هذا التهميش رغبة واشنطن في إرساء واقع سياسي جديد يتجاوز الأطر التقليدية للشرعية الفلسطينية، والبحث عن بدائل إدارية "تكنوقراطية" تتماشى مع رؤية الإدارة الأميركية الحالية، مما يضع السلطة الفلسطينية أمام تحدي إثبات قدرتها كلاعب لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة.

وقال وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو، في مستهل اجتماع "التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين" "نجتمع في ظل عاصفة. لكن لا يمكننا أن نتخلّى عن البوصلة". وأضاف مشدداً على الترابط الإقليمي للأزمة: "يجب أن نواصل المسار لأن القضية الإسرائيلية-الفلسطينية تؤثر على الشرق الأوسط برمّته، وكذلك على بقية العالم".

ويعد الاتحاد الأوروبي أكبر داعم مالي للفلسطينيين، ورغم تحفّظاته التاريخية حيال بعض ملفات السلطة، إلا أنه يرى اليوم أن عليها القيام بدور رئيسي وحيوي في غزة "ما بعد الحرب".

وصرحت مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس: "يمكننا ويتعيّن علينا أن نقوم بأكثر من ذلك لوضع حل الدولتين على الطاولة مجدداً بشكل قوي".

وتشير تصريحات كالاس إلى رغبة أوروبية في الانتقال من دور "الممول" إلى دور "المحرك السياسي"، وهي محاولة لاستعادة الاستقلالية الإستراتيجية الأوروبية في ملف يعد حيوياً للأمن القومي للقارة العجوز، وتجنب الانفراد الأميركي الذي قد يؤدي إلى حلول أحادية الجانب.

ماكسيم بريفو: يجب أن نواصل المسار لأن القضية الإسرائيلية-الفلسطينية تؤثر على الشرق الأوسط برمّته، وكذلك على بقية العالم.

وأثناء مؤتمر بروكسل، أكد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى أن الحدث يقام "في لحظة تشهد في آن واحد مأساة هائلة وفرصة ضيّقة، لكنها حقيقية، للانتقال من الحرب نحو سلام عادل ودائم". وشدد على الثوابت الوطنية بأن غزة "جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين"، وينبغي في نهاية المطاف تسليم إدارتها إلى السلطة الفلسطينية الشرعية.

وكانت واشنطن قد لعبت في أكتوبر دور الوسيط للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس لإنهاء حرب غزة. وفي يناير، أعلنت انتقال وقف إطلاق النار إلى المرحلة الثانية بموجب خطة السلام برعاية ترامب. وتنصّ هذه المرحلة على نزع سلاح حماس والانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية من غزة، كما تنصّ على تسليم لجنة تكنوقراط فلسطينية مهمّة الإشراف على الإدارة اليومية للقطاع.

وعملياً، لم يتم تنفيذ معظم بنود المرحلة الثانية باستثناء تشكيل "مجلس سلام" ولجنة من التكنوقراط التي لم تتسلم مهامها فعلياً ولا يزال أعضاؤها خارج القطاع.

ويكشف هذا التعثر الميداني عن الهوة الكبيرة بين المخططات النظرية والواقع المعقد على الأرض؛ حيث يصطدم الطرح الأميركي بغياب التوافق المحلي والإقليمي، وهو ما يفسر المسعى الأوروبي الحالي لملء هذا الفراغ عبر إعادة تدوير "حل الدولتين" كخيار وحيد وقابل للتطبيق.

ويرى مراقبون أن الاتحاد الأوروبي، الذي تشهد علاقات معظم دوله بالولايات المتحدة فتوراً حيال قضايا دولية عديدة، يريد أن يستغل بوضوح هذا التعثر الأميركي لإعادة تكريس حضوره في الملف الفلسطيني من باب الدفاع عن الشرعية الدولية.

ويأتي هذا التعبير عن الدعم في ظل تشديد بعض الدول الأوروبية مواقفها من إسرائيل، على خلفية توسع المواجهات في لبنان وتدهور الوضع في الضفة الغربية المحتلة. وفي هذا الصدد، قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن بلاده ستجدد طلبها للاتحاد الأوروبي من أجل تعليق اتفاقية تعاون مع إسرائيل خلال اجتماع وزراء خارجية التكتل الثلاثاء.

لكن دبلوماسيين استبعدوا إقرار هذه الخطوة في الوقت الراهن؛ حيث لا ترغب دول أخرى داخل الاتحاد في المخاطرة بالتأثير على اتفاق هدنة هش في لبنان أُعلن عنه الأسبوع الماضي، مفضلةً انتهاج سياسة "الخطوات الوئيدة" بانتظار وضوح الرؤية الإقليمية الشاملة.