كتابات..
رحل كريم مروّة قائلًا: نحتاج إلى فكر جديد
كريم مروّة إبن بلدة حاريص الجنوبيّة، المولود في الثامن من آذار عام 1930 في عائلة دينيّة عريقة، أصولها يمنيّة، تنتمي إلى قبيلة همدان. والده الشيخ أحمد مروة رجل دين ودنيا، ووالدته هي الحاجة خديجة. في التاسعة من عمره ختم القرآن. والده الشيخ الشيعي المتديّن المنفتح، أدخله الى مدرسة اللاتين الكاثوليكيّة وسلّمه الى رئيسها الأب عبدالله من دون أن يدخل معه في شروط التعليم، الأمر الذي أدهش الأب المسيحي الكاثوليكي الذي طلب منه أن يقرأ له آيات من سورة مريم في القرآن لمدة عشر دقائق قبل الدخول الى الكنيسة للصلاة مع سائر التلامذة.
البذور الشيوعيّة
في العام 1945 ابتعد عن الصوم والصلاة بعد أن أصبح قوميًّا عربيًّا. وفي السابعة عشر من عمره أي في العام 1947، أرسله والده الشيخ أحمد مروة إلى النجف لمتابعة دراسته فيها مع نسيبه المفكر حسين مروة الذي انتسب إلى الشيوعيّة هناك واغتيل في شباط 1987. أمّا "أبو أحمد" أو كريم مروة فعمل على تكوين ثقافته السياسيّة منذ شبابه الباكر، في ضوء مطالعاته في مجلة الهلال والرسالة والكاتب المصري ومجلة الطريق، وفي كتب وكتابات جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وطه حسين وتوفيق الحكيم وجورجي زيدان وعباس محمود العقاد.
وهذا ما جعل من مروّة مواطنًا عربيًّا إلى حدّ تسمية نفسه قوميًّا عربيًّا. لكنّه تمايز عن القوميين العرب. ولعبت رواية الأم لمؤلفها مكسيم غوركي - التي تتناول ظروف ثورة البلاشفة لتأسيس وتعزيز النظام الإشتراكي- دورًا في مساراته؛ حيث يقول في إحدى مقابلاته: " أثّرت هذه الرواية فيَّ وجعلتني شيوعيًّا."
شارك مروّة في الثورة في العراق في العام 1948 لكنّه لم يحمل السلاح. فهو على حدّ ما فتئ يصرّح دائمًا في معظم مقابلاته: "أنا ضدّ السلاح منذ صغري. عقلي يفكّر دائمًا" في العام 1953، أصبح عضوًا رسميًّا في الحزب الشيوعي ومسؤولاً عن الطلاب الشيوعيين في المرحلة البكداشية - الستالينية. حيث كان خالد بكداش، وهو سياسي سوري انتسب إلى الحزب الشيوعي عام 1930 على يد فوزي الزعيم.
وفي عام 1933 سمي الأمين العام للحزب الشيوعي السوري اللبناني. وهو أول نائب وبرلماني شيوعي عربي، ومؤسس جريدة صوت الشعب 1937، وبقي أمينًا عامًا للحزب الشيوعي السوري حتى وفاته في العام 1995. في هذه المرحلة صار انتماء مروّة انتماءً جدّيًّا لا مجرد انتماء رومانسي.
الحياة الحزبيّة
هذا الانخراط الصاروخي في الشيوعيّة أوصله إلى مواقع ومراكز حزبية وشبابية وثقافية، في أواخر الخمسينيات، عندما كان الحزب موحّدًا بين لبنان وسوريا، وصار أحد أهمّ القادة الفاعلين في الحزب، وتقلّد فيه عدّة مناصب، حيث كان عضوًا في مكتبه السياسي من 1964 حتى 1999. كما انتخب نائبًا للأمين العام في حينه جورج حاوي، في العام 1987. وعمل مروة في تحرير جريدة "النور" التي كان يصدرها الحزب الشيوعي في سوريا، وعندما وقعت حرب 1958، ترك سوريا والعمل في الجريدة وتوجه إلى لبنان وشارك بالأعمال العسكرية وكان مسؤولاً عن مستودعات الأسلحة في بيروت. وعندما تأسست جريدة "النداء" اللبنانية عمل فيها حتى صار رئيسًا لتحريرها.
وفي حديث لـ"جسور" مع أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني الاستاذ حنّا غريب يعتبر مرّوة "قائدًا سياسيًّا ومفكّرًا، من موقعه القيادي التاريخي في صفوف الحزب خلال أكثر من خمسين عامًا."
فبالنسبة إلى غريب لقد شكّل مروّة "جزءًا لا يتجزّأ من التجربة الكفاحيّة الطويلة التي طبعت تاريخ الحزب." ويستذكر غريب لـ"جسور" مسار مروّة النّضالي فهو الذي " انضمّ إلى صفوف الحزب منذ كان شابًا في مطلع الخمسينيات، وشارك في كل المعارك النضاليّة التي خاضها الحزب في المراحل المختلفة، وفي مجالات متنوعة."
ويستعيد غريب في حديثنا المؤثّر معه مسار مروّة المهني حيث "عمل في الصحافة الحزبية وفي مجلة الطريق وفي التنظيم الحزبي وفي الصلات السياسية وفي حقل الثقافة، وأنتج عشرات المؤلفات في الفكر والسياسة والتاريخ والثقافة والأدب." وفي ختام الحديث تقدّم غريب من العائلة والأصدقاء والمحبّين بأصدق التعازي لأنّ لمروّة مرحلة طويلة من النضال والتضحيات التي أمضاها في صفوف الحزب، وهذا ما اعتبره غريب أقلّ واجب بحقّ مناضل فكريّ وسياسيّ كمروّة.
ثائر على ثورته
في العام 1966، بعدما أصبح عضوًا قياديًّا في الحزب الشيوعي اللبناني، أطلق مع رفيقه جورج حاوي وعدد من رفاق جيلهما في قيادة الحزب، ما اعتبراه ثورة غير مسبوقة في الحركة الشيوعية العربية. كان الهدف منها تأكيد استقلالية الشيوعيّة اللبنانيّة عن الاتحاد السوفياتي في تحديد السياسات المتعلقة بالشأنين اللبناني والعربي، مع البقاء في الأممية الشيوعيّة برئاسة الحزب الشيوعي السوفياتي. تمّ إرساله إلى اتحاد الشباب الديموقراطي العالمي العام 1954، وثمّ إلى مجلس السلم العالمي، وعاش مروّة أربع سنوات في الخارج مع منظمات عالمية. زار 63 بلدًا. وقابل 33 رئيس دولة.
ويعتبَر مرّوة في تاريخ الشيوعيّة اللبنانيّة من أحد "صناع" الحزب الشيوعي اللبناني في نسخته الجديدة المنبثقة عن المؤتمر الثاني 1968، إلى ان انتُخب رفيق دربه النضالي جورج حاوي أمينًا عامًا للحزب في المؤتمر الرابع في العام 1979، وجُدّد له في المؤتمرين الخامس في العام 1987 والسادس في العام 1992