الهوية الوطنية والحس الأخلاقي في اليمن

وكالة أنباء حضرموت

ليست الهوية الوطنية، في جوهرها الأعمق، بطاقةً سياسية تُعلَّق على صدر المواطن، ولا نشيداً عابراً يتصاعد في مواسم الحماسة ثم يخبو مع أول اختبار؛ إنها ذلك النسيج الخفي الذي تتآلف فيه الذاكرة والكرامة، ويتشكّل من خلاله وعي الإنسان بذاته، وبالجماعة التي ينتمي إليها، وبالتاريخ الذي أنجبه، وبالمصير الذي ينتظره. إنها ليست اسماً نردده، بل معنى نسكنه ويسكننا؛ ليست حدوداً مرسومة على الخريطة، أو علما نرفعه فوق السارية أو نشيدا نتلوه ونرددة في المناسبات الوطنية، بل أفقاً أخلاقياً يهب الأرض روحها، والناس سبب اجتماعهم، والتاريخ حقه في الاستمرار. ومن هنا، فإن الحديث عن الهوية الوطنية في اليمن لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن الحس الأخلاقي؛ إذ لا وطنية بلا ضمير، ولا ضمير عام بلا انتماء حيّ يوقظ في الإنسان معنى المسؤولية. فحين يغيب الوطن عن الوعي الأخلاقي يصير أرضاً مستباحة، وحين تغيب الأخلاق عن الوطنية تتحول الهوية إلى شعار أجوف، أو راية مرفرفة بلا نور، أو قناع تتخفى خلفه مصالح ضيقة وهي تزعم الدفاع عن الجماعة، بينما تنخر في عظام معناها.

السلوك الإنساني لا ينبت في أرض معزولة عن شروطها، ولا يزهر في فراغٍ بلا تربة. فالإنسان كائن تُشكّله التربية، وتصقله المؤسسات، وتؤدبه الذاكرة، وتعيد صياغته القيم التي يتنفسها في البيت والشارع والمدرسة والمسجد والجامعة والحلقة الدينية الروحانية وحقل السياسة. يتعلّم المواطن من طفولته حب الوطن وحاجته له كما يتعلم الطفل حبه لأمه وحاجته لها فيما هو يرضع حليبها، و معنى الواجب كما يتعلّم معنى اللغة؛ ويتدرّب على احترام الآخر كما يتدرّب على احترام نفسه ووطنه. لذلك تبدو العلاقة بين الحس الأخلاقي والولاء الوطني علاقة حياة لا علاقة شعار؛ علاقة يتبادل فيها الطرفان التأسيس والمعنى: فالأخلاق تمنح الوطنية شرفها الإنساني، والوطنية تمنح الأخلاق مجالها العام وامتحانها الأكبر. وما لم يتحول الانتماء إلى مسؤولية، يستحيل عاطفة رخوة تذروها الرياح؛ وما لم تتحول الأخلاق إلى فعل في المجال العام، تبقى فضيلةً وحيدةً محاصرة داخل الضمير الفردي، عاجزة عن حماية مصير الجماعة. والتعليم والقضاء العمودان الرئيسان التي تقوم عليها الهوية الوطنية والحس الاخلاقي السليم. فالتعليم يمثل عقل الأمة ومِدماك حاضرها ومستقبلها الفكري والسياسي، والقضاء ضميرها.

الهوية الوطنية ليست شعاراً سياسياً عابراً بل نسيج أخلاقي يربط الذاكرة بالكرامة ويجعل الانتماء مسؤولية حيّة تحمي الوطن من الاستباحة والانقسام

لقد عرّت الحرب اليمنية الأخيرة، بما حملته من شروخٍ وانقسامات وخراب، هشاشة تلك الرابطة المقدسة بين الضمير والعقل والوطن. لم يكن الانهيار مجرد حادث سياسي عابر، ولا صراعاً مألوفاً على سلطةٍ تتبدل وجوهها؛ بل كان، في أحد أعمق وجوهه، انكشافاً لأزمة معنى: أزمة قيم تراجعت، وثقة انكسرت، ووطنٍ ضاقت صورته في المخيلة حتى غدا عند بعض أبنائه غنيمة أو ساحة خصومة لا بيتاً جامعاً يستظل به الجميع. فحين يصبح الوطن مورداً للنهب لا عهداً للحماية، وحين تُستبدل المصلحة العامة بمنطق العصبية والمذهبية والسلالة، وحين تُختزل الهوية في ولاءات ما قبل الدولة أو ما وراءها، لا نكون أمام خلاف سياسي، بل أمام أمة تتآكل بنيتها الأخلاقية ويتحول مواطنيها ركاماً من الجماعات المتنازعة.

غير أن هذا التصدع لم يولد فجأة، ولم تهبط المأساة من سماءٍ على حين غرة. لقد تراكمت عبر أزمان طويلة من الفساد السياسي، وسوء الإدارة، والإقصاء الاجتماعي، واتساع المظالم، وتراجع العدالة، وضعف التعليم، وتلاشي التربية الوطنية، حتى تشكلت في الوعي العام قابلية مؤلمة للانكسار. وحين تفشل المؤسسات في حماية الكرامة والحقوق، وحين يرى المواطن الدولة بعين الخوف أو الريبة لا بعين الثقة، تنسحب الوطنية من مقامها الرفيع كرابطة جامعة، وتهبط إلى خطاب رسمي لا يجد صداه في خبز الناس ولا أمنهم ولا عدالتهم. هناك، في تلك المسافة القاسية بين الشعار والحياة، يبدأ الحس الأخلاقي العام بالتآكل؛ لأن الإنسان الذي لا يرى عدلاً يصعب عليه أن يؤمن بجدوى التضحية، والذي لا يشعر بالإنصاف قد يفتش عن ملاذٍ ضيق يمنحه وهماً بالأمان، ولو كان ذلك الملاذ سجناً جديداً لروحه.

ومن أخطر ما أفرزته هذه البيئة أن الهوية اليمنية، وهي من أعرق الهويات الحضارية في التاريخ العربي والإنساني، صارت في بعض الخطابات موضوعاً للتشكيك أو الازدراء أو الاستبدال. وهذا ليس تفصيلاً لغوياً ولا تبدلاً بريئاً في الأسماء؛ إنه علامة اغتراب عميق بين الإنسان وجذره، واضطراب في العلاقة بين الذاكرة والمستقبل. فالهوية ليست سجناً للماضي، لكنها أيضاً ليست ثوباً يمكن خلعه دون أن يترك الجسد عارياً أمام رياح التيه. إنها الوعاء الرمزي الذي تحفظ فيه الجماعات كرامتها وتجاربها وآلامها وأحلامها؛ وهي النهر الباطن الذي يصل الأجيال بعضها ببعض، ويمنح التضحية معناها، والصبر علّته، والمستقبل لغته الأولى. وحين يُدفع الناس إلى احتقار هويتهم أو التنصل منها كما يفعل البعض اليوم، فإنهم لا يفقدون اسماً فحسب، بل يفقدون أحد أعمدة المعنى التي تجعل من الذات وجهاً متلئلئاً بالفخر والوطن قابلاً للحب، والعيش المشترك قابلاً للدفاع.

الحس الأخلاقي يمنح الوطنية معناها الإنساني والتعليم والقضاء عمودان أساسيان لصياغة الضمير العام فبدونهما تتحول الهوية إلى شعار أجوف يفتقد القوة والفاعلية

غير أن الولاء الوطني النبيل لا يعني تقديس الدولة حين تخطئ، ولا الصمت عن الظلم باسم الوحدة الجامعة،  ولا تحويل الانتماء إلى طاعة عمياء تقتل السؤال وتخاف الحقيقة. فالولاء الحقيقي هو أرقى أشكال النقد المسؤول؛ لأنه يصدر من محبة لا من كراهية، ومن حرص لا من انتقام، ومن إيمان بأن الوطن أكبر من السلطة وأغلى من الذات الفردية، وأبقى من الأحزاب، وأوسع من العصبيات والمذاهب والسلالات العابرة. إن المواطن الأخلاقي لا يصفق للخراب إذا جاء من جهته، ولا يبرر الفساد إذا ارتكبه من يشبهه، ولا يجعل الوفاء ستاراً للسكوت عن انتهاك الكرامة. فالوطنية الرفيعة تجمع بين الاعتزاز واليقظة، بين الوفاء والمساءلة، بين الدفاع عن الكيان الجامع ومقاومة كل ما يشوّهه من الداخل. وبذلك يغدو الانتماء موقفاً أخلاقياً يتخطى المسافات، ويصبح حب الوطن شجاعة في قول الحق لا حماسة في ترديد الشعارات. ”آه منك أيها الحق، لم تدع لي صاحباً ولكن تكفيني صُحبتك“، هكذا صَدَحَ الفاروق عمر.

في الحالة اليمنية الراهنة التي تظهر عليها ملامح الانكسار والتيه، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة بناء هذه العلاقة من جذورها الأولى: في الأسرة حيث يولد الضمير قبل أن يتعلم الكلام، وفي المدرسة حيث ينبغي أن يتكوّن المواطن لا أن يُحشى الذهن بالأساطير والخرافات والمعلومات الباطلة، وفي المسجد والجامعة والإعلام حيث تتشكل لغة المعنى العام، وفي مؤسسات الدولة حيث تُختبر القيم لا في الخطب بل في المعاملة والعدالة والنزاهة. فالتربية الأسرية ليست شأناً خاصاً منفصلاً عن مستقبل الوطن؛ إنها المعمل الأول الذي يتعلم فيه الطفل معنى الصدق والعدل والرحمة واحترام الآخر. والمدرسة ليست قاعة للدرس وحده، بل ورشة لصناعة الإنسان الحر المسؤول. والمؤسسة العامة ليست جهازاً إدارياً صامتاً، بل مرآة للقيم التي تؤمن بها الجماعة. فإذا غابت النزاهة عن المؤسسة، والقدوة عن النخبة، والرحمة عن الخطاب، والكرامة عن الحياة اليومية، صار الحديث عن الوطنية أقرب إلى البلاغة اللفظية منه إلى الحقيقة المعاشة. في هذه اللحظة اليمنية الاستثنائية هي مناسبة فارقة تلخص أهمية ودلالة لقاء رئيس المجلس الرئاسي  الدكتور رشاد العليمي هذا الأسبوع بممثلي المؤسسات الإعلامية اليمنية الرسمية والأهلية التي تشكل العقل الجمعي للمجتمع اليمني بوصفها القوة الناعمة الأكثر تآثيرا، ولاشك أن لقاء منتظرا لرئيس الدولة مع قادة المؤسسات التعليمية والعلمية والفكرية  الذين يشكلون عقل المجتمع في طريقه للانعقاد.

نعم إن استعادة اليمن لا تبدأ من ترميم الخرائط وحدها، أو من أفواه ميليشيات متوحشة بعينها دون غيرها، ولا من الاتفاقات السياسية وحدها، وإن كانت كلها ضرورية، بل تبدأ من ترميم الإنسان اليمني في وعيه بذاته ووطنه ومكانه في التاريخ. فكل مشروع سياسي لا يضع الأخلاق في قلبه والتعليم في صدارته سيظل قابلاً لإعادة إنتاج الأزمة، وكل دعوة وطنية لا تتلمس جراح العدالة والكرامة ستبقى ناقصة الروح. إن بناء الدولة العادلة هو الشرط العملي لازدهار الوطنية، كما أن بناء الضمير هو الشرط الروحي لاستمرار الدولة وتشكيل العقل  الجمعي القويم أساسا لصلابتها. وبين هذه الشروط تقوم معادلة النهضة: عدالة تصنع الثقة، وثقة تُنبت الانتماء، وانتماء يحرس الأخلاق، وأخلاق تمنع الدولة من أن تتحول إلى أداة قهر أو غنيمة. وحين تلتقي العدالة بالضمير، والعقل بالهوية،  لا يعود الوطن مجرد ذكرى دامية، بل وعداً قابلاً للحياة.

الحرب اليمنية كشفت هشاشة الرابط بين الضمير والوطن وأظهرت أن استعادة الدولة تبدأ من بناء الإنسان وترميم القيم وإحياء الثقة بالعدالة والمواطنة

ولعل أخطر ما ينبغي الحذر منه هو تحويل المأساة اليمنية إلى قدرٍ لا يُرد، كأن الخراب قانون الطبيعة لا صناعة تاريخ، وكأن الانقسام جوهر لا عارض، وكأن الفساد خاصية ثابتة في اليمنيين لا نتيجة بنى مختلة قابلة للإصلاح. فالأمم لا تموت لأنها تتألم، بل تموت حين تفقد قدرتها على تحويل الألم إلى معنى، والمعنى إلى إرادة، والإرادة إلى فعل. وحين يكف أبناؤها عن الإيمان بأن الإنقاذ ممكن، وأن المسؤولية لا تسقط بالتعب، وأن الوطن ليس ميراثاً لفئة أو جماعة دون أخرى ولا ملكاً لجيل دون جيل، أو لمذهب دون مذهب، أو لمنطقة دون منطقة ، عندها فقط تصبح الهزيمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية. إن اليمن، بما يحمله من تاريخ وروح وثقافة وذاكرة حضارية، لا يحتاج إلى رثاء طويل بقدر ما يحتاج إلى يقظة أخلاقية تعيد للانتماء نبله، وللضمير سلطته، وللعقل سطوته وحضوره، وللمستقبل حقه في أن يولد من بين الركام.

إن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً في الضمير اليمني ليس: من نلوم؟ بل: كيف نستعيد الإنسان القادر على البناء؟ كيف نحول الجرح إلى بصيرة، والبصيرة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى فعل تاريخي يليق ببلدٍ علّم العالم معنى الحضارة ثم أرهقته  صراعات الماضي وأدمته إقتتالات الحاضر؟ اليمن لن يُنقذ بالكراهية، ولن يُرمم بالانتقام، ولن يُبنى بمنطق الغلبة؛ بل يُستعاد حين يصبح العدل فضيلة عامة، والمواطنة المتساوية نبعا صافيا يرتوي منه الجميع، والكرامة حقاً لا منّة، والاختلاف مجالاً للحوار لا سبباً للإلغاء. عندئذ فقط تغدو الهوية الوطنية اليمنية قوة جامعة، ويغدو الحس الأخلاقي طاقة تحرير لا وعظ. وما أحوج اليمن اليوم إلى هذا اللقاء النادر بين الضمير والوطن، بين الأخلاق والسياسة، بين العقل والبناء،  بين التاريخ والمستقبل؛ لقاءٍ يرد للإنسان اليمني ثقته بنفسه، ولليمن حقه في الحياة والكرامة والسلام، ويجعل من الانتماء وعداً لا جرحاً، ومن الوطن معنى لا مجرد مكان.