ضريبة الدمغة تعود للبورصة المصرية.. مورد منتظم ومحفز اقتصادي
تستعد البورصة المصرية لمرحلة ضريبية جديدة، بعد موافقة مجلس النواب نهائياً في 23 يونيو/حزيران 2026 على تعديلات قانون ضريبة الدمغة.
خطوة تعيد العمل بضريبة الدمغة على تعاملات سوق المال بدلًا من ضريبة الأرباح الرأسمالية التي ظلت لسنوات محل خلاف بين الحكومة والمستثمرين بسبب تعقيدات تطبيقها.
ورغم اكتمال الموافقة البرلمانية، لم تدخل الضريبة الجديدة حيز التنفيذ بعد، إذ ينتظر القانون تصديق رئيس الجمهورية ونشره في الجريدة الرسمية، على أن يبدأ تطبيقه من اليوم التالي للنشر، وفقًا لما نصت عليه مواد مشروع القانون.
وتضع التعديلات السوق أمام معادلة دقيقة فمن ناحية، تراهن الحكومة على نظام ضريبي أكثر بساطة ووضوحًا، قادر على توفير حصيلة منتظمة للخزانة العامة، ومن ناحية أخرى، يترقب المستثمرون تأثير الضريبة على تكلفة التداول وأحجام السيولة، خصوصًا بالنسبة للمتعاملين الذين ينفذون عمليات شراء وبيع متكررة خلال الجلسة الواحدة.
تفاصيل ضريبة الدمغة الجديدة
وافق مجلس النواب نهائيًا على فرض ضريبة دمغة نسبية على إجمالي عمليات شراء وبيع الأوراق المالية المقيدة بالبورصة المصرية، سواء كانت الأوراق مصرية أو أجنبية، ومن دون خصم أي تكاليف.
وبموجب التعديل، يتحمل المشتري المقيم أو غير المقيم ضريبة قدرها 0.5 في الألف من قيمة العملية، كما يتحمل البائع النسبة نفسها.
أما عمليات التداول التي يجري فيها شراء الورقة المالية وبيعها خلال جلسة التداول ذاتها، فتخضع لضريبة مخفضة قدرها 0.25 في الألف على المشتري، ومثلها على البائع.
واستثنت التعديلات العمليات التي تنفذها الشركات المرخص لها بمزاولة نشاط صانع السوق المعتمد، نظرًا إلى الدور الذي تؤديه هذه الشركات في توفير السيولة وتقليل التذبذبات السعرية.
كما وافق البرلمان على استثناء وثائق الاستثمار المقيدة في البورصة من ضريبة الدمغة، تجنبًا لوقوع ازدواج ضريبي، في ظل خضوع صناديق الاستثمار للضريبة باعتبارها كيانات مستقلة. المسؤولة عن تسوية العمليات بحجز الضريبة وتوريدها إلى مأمورية الضرائب المختصة خلال خمسة أيام من بداية الشهر التالي للشهر الذي تمت فيه العملية.
متى يبدأ التطبيق الفعلي؟
قال مستشار رئيس مصلحة الضرائب المصرية، سعيد فؤاد، إن تطبيق ضريبة الدمغة على تعاملات البورصة سيبدأ خلال يوليو/تموز الجاري، فور اعتماد مشروع القانون من رئيس الجمهورية ونشره في الجريدة الرسمية.
وأكد وفقا لوسائل إعلام محلية أن الضريبة لا يمكن تحصيلها قبل استكمال الإجراءات القانونية، موضحًا أن الضريبة المقررة بواقع 0.5 في الألف على كل من البائع والمشتري، سواء كانا مقيمين أو غير مقيمين، تصبح واجبة التطبيق بعد التصديق على القانون ونشره رسميًا.
ويحسم هذا التوضيح الفارق بين إقرار التعديل من مجلس النواب وبين بدء التنفيذ، إذ يمثل التصويت البرلماني مرحلة أساسية في المسار التشريعي، لكنه لا يكفي منفردًا لبدء تحصيل الضريبة من المتعاملين.
3 مليارات جنيه في عام
تتوقع مصلحة الضرائب أن تحقق ضريبة الدمغة على تعاملات البورصة حصيلة تقترب من 3 مليارات جنيه خلال العام المالي 2026-2027.
وقال سعيد فؤاد إن هذه التقديرات تستند إلى نمو أحجام وقيم التداول في البورصة المصرية، إلى جانب التوسع في قاعدة المستثمرين والمتعاملين بالسوق.
وأوضح أن ضريبة الدمغة حققت، خلال فترة تطبيقها بين عامي 2018 و2019، حصيلة تجاوزت مليار جنيه، رغم اختلاف سعر الضريبة آنذاك، إذ كانت مفروضة بواقع 1.25 في الألف.
وترى مصلحة الضرائب أن زيادة قيم التداول الحالية وتوسع قاعدة المتعاملين يمكن أن يعوضا انخفاض سعر الضريبة الجديدة، ويدفعا الحصيلة السنوية إلى نحو 3 مليارات جنيه.
الضريبة أسهل في الاحتساب
قال رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية والرئيس السابق للبورصة المصرية، الدكتور إسلام عزام، إن ضريبة الدمغة أصبحت النظام الضريبي المعتمد على تعاملات البورصة، بعد الاستغناء عن ضريبة الأرباح الرأسمالية.
وأوضح عزام أن الضريبة الجديدة تتراوح بين 0.25 و0.5 في الألف، وتتميز بسهولة طريقة احتسابها مقارنة بضريبة الأرباح الرأسمالية، التي واجه تطبيقها صعوبات فنية وإجرائية داخل السوق.
وتعكس تصريحات عزام اعتماد ضريبة الدمغة باعتبارها البديل التنظيمي والضريبي لضريبة الأرباح الرأسمالية، بينما يظل بدء التحصيل الفعلي مرتبطًا بصدور القانون ونشره في الجريدة الرسمية، وفق ما أوضحته مصلحة الضرائب.
يرى خبراء سوق المال أن أبرز مزايا ضريبة الدمغة تتمثل في بساطة احتسابها ووضوح تكلفتها، إذ يستطيع المستثمر تحديد قيمة الضريبة قبل تنفيذ العملية، دون انتظار حساب الأرباح أو الخسائر في نهاية الفترة الضريبية.
وقال خبير أسواق المال، وسام كامل، إن استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بضريبة الدمغة قد ينعكس إيجابيًا على البورصة، نظرًا إلى أن الضريبة الجديدة محددة وواضحة ولا ترتبط بإجراءات معقدة لحساب الأرباح المحققة لكل مستثمر، مشيراً إلى أن على مدار السنوات الماضي كان هناك حديث معقد وخلافات حول ضريبة الأرباح الرأسمالية، وضريبة الدمغة التي بدأ الحديث عن فرضها في 2016 بنسبة وصلت إلى 1.75 في الآلف.
وأشار إلى أن ضريبة الأرباح الرأسمالية كانت تمثل مصدر قلق للمتعاملين، بسبب صعوبة التطبيق، والالتزامات المحاسبية المرتبطة بها، إلى جانب استقطاع نسبة من الأرباح المحققة.
وأضاف أن وضوح النظام الضريبي واستقراره قد يساعدان على جذب شرائح جديدة من المستثمرين، ويعززان القدرة التنافسية للبورصة المصرية، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع زيادة الطروحات وتحسن نتائج أعمال الشركات وتوسيع قاعدة المستثمرين.
الوضوح الضريبي لا يعني غياب التكلفة
رغم سهولة تطبيق ضريبة الدمغة، فإنها تُفرض على قيمة التداول بصرف النظر عن نتيجة الاستثمار، ما يعني أن المستثمر يتحملها سواء حقق ربحًا أو تعرض لخسارة.
فعلى سبيل المثال، يتحمل المستثمر الذي يشتري أسهمًا بقيمة مليون جنيه ضريبة قدرها 500 جنيه بصفته مشتريًا، ثم يتحمل 500 جنيه أخرى عند بيع الأسهم بالقيمة نفسها، ليصل إجمالي الضريبة على دورة التداول الكاملة إلى ألف جنيه، بخلاف عمولات السمسرة ورسوم التداول الأخرى.
أما إذا تمت عملية الشراء والبيع خلال الجلسة نفسها، فيتحمل المستثمر 250 جنيهًا عند الشراء و250 جنيهًا عند البيع عن كل مليون جنيه، بإجمالي 500 جنيه.
ومن ثم، قد لا تمثل الضريبة عبئًا كبيرًا على المستثمر متوسط أو طويل الأجل، لكنها تصبح أكثر تأثيرًا على المستثمرين الذين يعتمدون على تكرار العمليات وتحقيق هوامش ربح محدودة.
مخاوف من تراجع التداولات اليومية
من جانبها قالت خبيرة أسواق المال، حنان رمسيس، إن ضريبة الدمغة قد توفر قدرًا أكبر من الاستقرار والوضوح للمتعاملين، مقارنة بضريبة الأرباح الرأسمالية، غير أن بعض المستثمرين قد ينظرون إليها باعتبارها تكلفة إضافية تُفرض على كل عملية.
وأضافت لـ " العين الإخبارية" أن هذه التكلفة قد تدفع بعض المتعاملين إلى تقليل عدد العمليات المنفذة يوميًا، وهو ما يمكن أن ينعكس على قيم التداول والسيولة، خاصة خلال المرحلة الأولى من التطبيق.
لكن خفض الضريبة على عمليات الشراء والبيع خلال الجلسة نفسها إلى 0.25 في الألف لكل طرف قد يحد جزئيًا من الضغوط على المستثمرين النشطين، ويحافظ على استمرار جانب من التداولات قصيرة الأجل.
ومن المتوقع أن تتضح الآثار الحقيقية للضريبة بعد مرور فترة كافية من التطبيق، إذ لا يمكن قياس جاذبية النظام الجديد فقط من خلال حركة المؤشرات في جلسة أو عدة جلسات، وإنما من خلال تطور متوسطات السيولة، وحجم تعاملات المؤسسات والأجانب، وعدد المستثمرين الجدد.
الذهب أم الشهادات أم العقارات؟.. خبير اقتصادي يحدد الخيار الاستثماري الأفضل في مصر
مورد منتظم للخزانة العامة
تتميز ضريبة الدمغة من وجهة نظر وزارة المالية بأنها ترتبط بقيمة التداولات، وليس بالأرباح التي يحققها المستثمر، ما يجعل حصيلتها أكثر انتظامًا وقابلية للتقدير.
كما أن تحصيلها يتم من خلال الجهات المسؤولة عن تسوية العمليات، وهو ما يقلل من التعقيدات الإدارية، ويحد من المنازعات المرتبطة بكيفية حساب الأرباح والخسائر وترحيل الخسائر بين الفترات الضريبية المختلفة.
وفي المقابل، فإن الاعتماد على حصيلة الضريبة يتطلب تحقيق توازن بين تعظيم إيرادات الدولة والحفاظ على نشاط السوق، لأن أي تراجع كبير في قيم التداول قد يؤدي إلى انخفاض الحصيلة المستهدفة ويضعف قدرة البورصة على أداء دورها بوصفها منصة لتمويل الشركات.