ليست «صيحة».. أدوية التخسيس تعيد صياغة الاقتصاد والأسواق والاستهلاك
لم تعد الطفرة الطبية لأدوية إنقاص الوزن والرشاقة مجرد صيحة صحية عابرة لحرق الدهون؛ بل تحولت مع منتصف عام 2026 إلى قوة اقتصادية كبرى ومحرك رئيسي للاقتصاد الاستهلاكي وسلوك المشترين، مسببة انتعاشاً قياسياً لقطاعات وأزمات حادة لقطاعات أخرى.
وامتدت تأثيرات هذه الأدوية لتطول قطاعات التجزئة والملابس ومستحضرات التجميل واللياقة البدنية، حيث أسفرت عن تحولات واسعة في سلوك المستهلكين.
هذا ما كشف عنه تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية والذي نقل عن خبراء أن الانتشار المتزايد لهذه الأدوية خلق ما يمكن وصفه بـ"المستهلك الجديد"، الذي يعيد توجيه إنفاقه نحو منتجات وخدمات لم تكن ضمن أولوياته سابقًا.
وتشير أحدث الدراسات إلى أن مستخدمي أدوية GLP-1 في بريطانيا والولايات المتحدة يغيرون عاداتهم الشرائية بصورة ملحوظة مع فقدان الوزن، إذ يتراجع إنفاقهم على الأغذية والمشروبات، بينما يرتفع الإنفاق على الملابس، ومستحضرات العناية بالبشرة والشعر، والملابس الرياضية، وحتى الأجهزة الذكية التي تساعدهم على متابعة صحتهم.
ونقل التقرير قصة البريطانية هايلي جريس، البالغة من العمر خمسين عامًا، والتي قال إنها تلقت حقن مونجارو لمدة عامين، فانخفض وزنها بسبع درجات كاملة من قياسات الملابس، وانتقلت من المقاسات الكبيرة جدًا إلى المقاس 12 البريطاني، وهو ما دفعها إلى تجديد خزانة ملابسها بالكامل.
استخدام واسع
ولا تعد هذه الحالة فردية، إذ تكشف بيانات حديثة صادرة عن شركة PwC للاستشارات أن نحو 5% من البالغين في بريطانيا، أي ما يقرب من 3 ملايين شخص، يستخدمون حاليًا أدوية GLP-1، بينما سبق لنحو 9% من السكان استخدامها في مرحلة ما. وتتوقع الشركة أن ترتفع النسبة إلى 13% بحلول نهاية العام المقبل، بما يعادل نحو 7 ملايين مستخدم.
وأكدت الدراسة أن تأثير هذه الأدوية يتجاوز تقليل الشهية، إذ أصبح يؤثر في طريقة تناول الطعام، وممارسة الرياضة، واختيار الملابس، وحتى أسلوب الحياة بشكل عام، وهو ما دفع PwC إلى وصف الظاهرة بأنها أدت إلى ظهور "مستهلك جديد" يعيد تشكيل أنماط الإنفاق.
وتشير البيانات إلى أن النساء يمثلن نحو 60% من مستخدمي هذه الأدوية، كما يتركز استخدامها بصورة أكبر بين أصحاب الدخول المرتفعة، فيما أبدى 83% من المشاركين المحتملين استعدادًا أكبر لاستخدام العلاج إذا توفر في صورة أقراص بدلاً من الحقن.
ويعد إطلاق نسخة الأقراص من ويغوفي في بريطانيا تطورًا مهمًا من المتوقع أن يزيد عدد المستخدمين خلال الفترة المقبلة.
وتتميز الأقراص الجديدة بانخفاض تكلفتها مقارنة بالحقن، إذ تتراوح أسعار أقراص ويغوفي في الصيدليات البريطانية بين 69 و269 جنيهًا إسترلينيًا شهريًا، بينما تتراوح تكلفة الحقن بين 79 و250 جنيهًا، في حين تتراوح تكلفة مونجارو بين 54 و300 جنيه شهريًا.
ورغم الشعبية المتزايدة لهذه الأدوية، يحذر الأطباء من آثارها الجانبية المحتملة، والتي تشمل الغثيان، والإسهال، والإمساك، والقيء، إضافة إلى احتمالات حدوث مضاعفات أكثر خطورة مثل مشكلات الكلى لدى بعض المرضى.
استهلاك غذائي أقل
وأظهرت دراسات شركات أبحاث السوق، ومنها Mintel وCircana، أن مستخدمي هذه الأدوية يشترون كميات أقل من الطعام، ويتجهون نحو الأغذية الصحية، ويقللون استهلاك المشروبات الكحولية، بينما يزداد إنفاقهم على الملابس ومنتجات التجميل والأنشطة الرياضية.
كما أوضحت الدراسات أن 42% من مستخدمي أدوية GLP-1 في بريطانيا زادوا إنفاقهم على الملابس، خاصة الملابس الرياضية وملابس المناسبات، مع رغبتهم في إظهار التغير الذي طرأ على أجسامهم بعد فقدان الوزن.
تشير التقديرات إلى أن فقدان متوسط 5 كيلوغرامات من الوزن يؤدي غالبًا إلى الانتقال إلى مقاس أصغر من الملابس، وهو ما يعني شراء خزانة جديدة بالكامل لدى كثير من المستهلكين.
وبدأت متاجر التجزئة بالفعل في ملاحظة هذا التحول، إذ أعلنت سلسلة ماركس آند سبنسر (M&S) أن 65% من مبيعات بعض فئات الملابس النسائية، مثل الجينز، أصبحت تأتي من المقاسات الصغيرة بين 6 و12، مقارنة بنحو 40% فقط في السابق.
وفي المقابل، تواجه الشركات المتخصصة في بيع الملابس ذات المقاسات الكبيرة تحديات متزايدة، بعدما سجلت انخفاضًا ملحوظًا في المبيعات خلال العامين الماضيين.
وأكدت شركة BeigePlus البريطانية، المتخصصة في أزياء السيدات ذوات المقاسات الكبيرة، أن مبيعاتها تراجعت بنحو 20% خلال العامين الماضيين، معتبرة أن الانتشار السريع لأدوية إنقاص الوزن يعيد رسم خريطة سوق الأزياء بوتيرة غير مسبوقة.
تجميل مخصص للنحافة
ولم يقتصر التأثير على الملابس، إذ أطلقت شركات مستحضرات التجميل خطوط إنتاج جديدة مخصصة لمستخدمي أدوية إنقاص الوزن، بهدف معالجة ترهل الجلد، وترقق الشعر، وما يعرف بظاهرة "وجه أوزمبيك" الناتجة عن الفقدان السريع للوزن.
ويرى خبراء أن صناعة التجزئة تواجه تحولًا هيكليًا طويل الأجل، حيث لم تعد هذه الأدوية مجرد علاج طبي، بل أصبحت قوة اقتصادية تؤثر في قرارات الشراء وسلوك المستهلكين، وتفرض على الشركات إعادة تصميم منتجاتها واستراتيجياتها التسويقية لتلبية احتياجات شريحة جديدة من العملاء.