هل يحاصر حظر النشر في قضية "إبستين عمّان" الشائعات أم يزيدها

وكالة أنباء حضرموت

 زاد صدور قرار قضائي عاجل في الأردن يقضي بحظر النشر في القضية التي باتت تُعرف إعلاميا باسم “إبستين عمّان” الجدل على مواقع التواصل.

وجاء هذا التحرك الرسمي لكبح موجة عارمة من الجدل والاتهامات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي طالت ناشطا بارزا يقدم نفسه كطبيب تجميل، ومتهما بالاعتداء الجنسي على أطفال قُصّر واستغلال نفوذه لاستدراج الضحايا.

وأصدر نائب عام محكمة الجنايات الكبرى تعميما صارما عبر هيئة الإعلام الأردنية، ألزم فيه كافة وسائل الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة، بالإضافة إلى مستخدمي الفضاء الرقمي، بالتوقف الفوري عن تداول أي تفاصيل أو صور أو تسجيلات تتعلق بملف التحقيق.

ويهدف هذا الإجراء القانوني الصارم إلى حماية هوية الضحايا من الأطفال، ومنع التأثير على مجريات العدالة، وضمان سرية الاستجوابات الفنية التي تجريها الجهات القضائية والأمنية المختصة. وتعود جذور القضية إلى شكاوى رسمية تلقتها إدارة حماية الأسرة والأحداث من ذوي الضحايا، مما قاد إلى توقيف المشتبه به وإيداعه في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل على ذمة التحقيق بتهمة هتك العرض.

وتزامن هذا التوقيف مع تبرؤ واسع من الجمعيات الطبية الرسمية التي أكدت أن المتهم غير مسجل في قوائمها كاختصاصي جراحة تجميل، مما فجر نقاشا موازيا في الشارع الأردني حول معايير الظهور الإعلامي والرقابة على مشاهير الإنترنت الذين يستغلون غطاء العمل الطبي لبناء شبكات نفوذ مجتمعي.

وتتزايد الحساسية الاجتماعية للموضوع لكونه يمس قيما ومحرمات بالغة الحرج في المجتمع الأردني المحافظ، الذي يستنكر بشدة جرائم الاعتداء على القُصّر والأحداث. وزاد ربط القضية بملف الملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين من حدة الحساسية السياسية، حيث أثار الناشطون تساؤلات حادة حول شبكة نفوذ المتهم، وعلاقاته المفترضة مع شخصيات ومسؤولين سهلوا صعوده الإعلامي وتغاضي جهات الرقابة عن ممارساته.

كما فجر هذا الربط تساؤلات حادة وجهها ناشطون وحقوقيون ومراقبون للمؤسسات الرقابية والصحية حول كيفية غض الطرف عن طبيب عام يمارس جراحة التجميل بأسعار فلكية، ويستعرض مظاهر الثراء الفاحش وعلاقاته الممتدة مع النخب المجتمعية والمسؤولين وصناع القرار عبر شاشات التلفزة والمنصات دون تدقيق في مؤهلاته.

وتتحول هذه النقاشات الرقمية إلى مأزق سياسي حقيقي للحكومة، إذ لم تعد القضية مجرد سلوك جرمي فردي منعزل، بل تحولت إلى محاكمة شعبية لآليات الرقابة ومكافحة الفساد والمحسوبية داخل مؤسسات الدولة.

ويرى الشارع في التكتم الرسمي وقرار حظر النشر محاولة محتملة للتغطية على “شخصيات وازنة” أو مسؤولي ظِل قد يكونون متورطين في تقديم الدعم والغطاء للمتهم أو التستر عليه، مما يضع نزاهة التحقيق على المحك ويهدد بتآكل ثقة المواطن في قدرة أجهزة إنفاذ القانون على تطبيق العدالة بشكل متساو ودون تمييز، بغض النظر عن النفوذ المالي أو الاجتماعي لأطراف القضية.

ويكشف المشهد الإعلامي خلفية ممتدة حول قرارات حظر النشر في الأردن، إذ دأبت السلطات القضائية على استخدام هذه الآلية القانونية كخطوة استباقية في القضايا الحساسة التي تثير الرأي العام. غير أن خبراء إعلاميين يربطون مراراً بين هذا التكتم الرسمي وتصاعد وتيرة التكهنات، مؤكدين أن غياب الرواية الرسمية المحدثة يترك فراغا معلوماتيا كبيرا تجري تغذيته سريعا بالشائعات على منصات التواصل الاجتماعي.

ومع تشديد الرقابة الرقمية بموجب قانون الجرائم الإلكترونية، يرى مراقبون أن سياسة المنع غالباً ما تأتي بنتيجة عكسية في عصر الفضاء المفتوح، حيث يتحول الحظر إلى حافز للمستخدمين للبحث عن تسريبات غير موثوقة وتبادل تسجيلات صوتية مسربة ومجهولة المصدر، مما يعقد جهود الدولة في ضبط الأمن الإعلامي ومكافحة الأخبار المضللة.

ويعيد هذا المشهد تسليط الضوء على معاناة الأردن المزمنة مع ظاهرة الشائعات والأخبار المضللة، والتي باتت تؤرق صناع القرار وتصنف كمهدد للأمن المجتمعي والسلم الأهلي، نتيجة لسرعة تأثر الشارع المحلي بالقصص المفبركة في ظل فجوة الثقة المتراكمة بين المواطن والروايات الحكومية الرسمية.

ورغم لجوء الدولة إلى ترسانة تشريعية مغلظة، كان آخرها قانون الجرائم الإلكترونية الذي يفرض عقوبات مشددة على نشر الأخبار الكاذبة، إلا أن المعالجة القانونية والأمنية وحدها عجزت عن ضبط التدفق الهائل للمعلومات المجهولة عبر تطبيقات المراسلة الفورية مثل واتساب وتليغرام، مما يضع أجهزة الدولة أمام تحد مستمر يثبت أن التدفق السريع للمعلومة الشفافة هو السلاح الوحيد القادر على تحييد الشائعة، وليس فرض العزلة الإعلامية.