استعادة الشارع.. الوجه الداخلي لتحولات إيران في زمن الحرب
دخلت إيران مرحلة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لكن كثيرا من التحليلات التي تناولت تداعيات الحرب الأميركية – الإسرائيلية انشغلت أساسا بالحديث عن تعاظم نفوذ الحرس الثوري وتقدمه داخل بنية السلطة. ورغم صحة هذا التقدير، فإنه لا يكشف سوى جانب من التحول الجاري داخل البلاد، بينما يتشكل في العمق تحول آخر أكثر التصاقا بالحياة اليومية للإيرانيين وبالعلاقة بين الدولة والمجتمع والفضاء العام.
فمنذ اندلاع الحرب، كثّفت الجمهورية الإسلامية حضورها الميداني في المدن بصورة لافتة، عبر حشد أنصارها من قوات الباسيج والشبكات المرتبطة بالحرس الثوري في طهران ومدن كبرى أخرى. وتُنظم بشكل شبه يومي تجمعات ومسيرات تجوب الشوارع والأحياء، يردد المشاركون فيها شعارات دينية وسياسية معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، وتتخللها تلاوات قرآنية وهتافات تعبويّة تُبث عبر مكبرات صوت مثبتة على المركبات، من بينها شعار “حيدر حيدر” المرتبط بالإمام علي.
ولم تعد هذه الأنشطة مقتصرة على أحياء محددة أو مناطق محافظة تقليديا، بل امتدت إلى الساحات الرئيسية والطرق الكبرى والأحياء السكنية في مختلف المراكز الحضرية.
الفضاء العام لا يعكس الرؤية الاجتماعية والأيديولوجية للنظام، بل أصبح مجالا مفتوحا لصراع غير معلن بين المجتمع والسلطة
كما لم تعد المسيرات مجرد استعراض رمزي للتأييد السياسي، بل تحولت إلى مشهد أمني مباشر يهدف إلى إظهار السيطرة واستعادة الحضور في الشارع. وفي بعض الفعاليات يعرض الحرس الثوري صواريخ ومنصات إطلاق وسط تجمعات جماهيرية تلوح بالأعلام وتؤدي أحيانا صلوات جماعية إلى جانبها، في مشهد يجمع بين التعبئة الدينية والاستعراض العسكري.
لكن أهمية هذه التحركات، وفق الباحث سعيد غولكار، لا تكمن فقط في طابعها الدعائي أو التعبوي، بل في ما تعكسه من إعادة تشكيل للعلاقة بين الدولة والفضاء العام. فبالتوازي مع هذه المسيرات، انتشرت نقاط التفتيش التابعة للباسيج والأجهزة الأمنية في أنحاء المدن، حيث تُوقف السيارات وتُفتش الهواتف المحمولة بحثا عن رسائل أو محتوى معارض للنظام على وسائل التواصل الاجتماعي. كما تحدثت تقارير متعددة عن تعرض بعض الأشخاص للاعتقال أو الضرب بسبب منشورات أو محادثات عُثر عليها داخل هواتفهم.
ويشير غولكار، ضمن تقرير في “فورين بوليسي”، إلى أن الحضور الأمني الكثيف أدى إلى تضييق الحركة اليومية للمواطنين، خصوصا بالنسبة إلى المعارضين أو أولئك الذين يفضلون الابتعاد عن الأجواء السياسية المشحونة. وبات الكثير من الإيرانيين يتجنبون الخروج ليلا أو التواجد في الأماكن العامة التي تشهد نشاطا مكثفا لأنصار النظام، فيما دفعت المخاوف من دوريات الباسيج ونقاط التفتيش عددا متزايدا من السكان إلى الاحتماء بالمنازل باعتبارها المساحة الأكثر أمانا.
وتزامن ذلك مع الرسائل الأميركية والإسرائيلية التي دعت المدنيين إلى الابتعاد عن التجمعات والأماكن العامة، ما عزز منسوب الحذر لدى السكان وساهم في إفراغ الشوارع تدريجيا من الإيرانيين العاديين. وفي المقابل ازدادت هيمنة الجماعات الموالية للنظام على الفضاء الحضري، مستفيدة من تراجع الحضور الاجتماعي العام تحت ضغط الحرب والرقابة الأمنية.
ويمثل هذا المشهد انقلابا على مسار اجتماعي طويل كان يتشكل داخل إيران خلال العقود الماضية. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، سعت الجمهورية الإسلامية إلى إخضاع الحياة العامة لرؤية دينية محافظة، وفرضت رقابة صارمة على أنماط اللباس والسلوك والعلاقات الاجتماعية. وخلال السنوات الأولى بعد الثورة كان ارتداء الجينز أو القمصان قصيرة الأكمام، وحتى بعض أنماط قصات الشعر، يثير مشكلات مع الأجهزة الأخلاقية التابعة للدولة.
لكن رغم احتفاظ النظام بأدواته القسرية ومؤسساته الأمنية، فقد تدريجيا القدرة على فرض سيطرة كاملة على المجال العام، خصوصا في المدن الكبرى. فبمرور الوقت بدأ الإيرانيون العاديون يعيدون تشكيل الفضاء الاجتماعي بصورة هادئة وتدريجية، من دون قيادة مركزية أو تنظيم سياسي واضح، بل عبر ممارسات يومية صغيرة تراكمت ببطء حتى تحولت إلى ظاهرة اجتماعية واسعة.
سعيد غولكار: الكثير من الإيرانيين باتوا يتجنبون الخروج ليلا أو التواجد في الأماكن العامة التي تشهد نشاطا مكثفا لأنصار النظام
وفي هذا السياق يكتسب مفهوم “التعدي الهادئ” الذي طرحه عالم الاجتماع الإيراني آصف بيات أهمية خاصة لفهم ما جرى داخل المجتمع الإيراني خلال العقود الأخيرة. فبحسب هذا التصور، لا يحدث التغيير الاجتماعي دائما عبر الثورات أو المواجهات السياسية المباشرة، بل يمكن أن ينشأ أيضا من خلال أفعال يومية متفرقة يقوم بها الأفراد بصورة تلقائية ومتراكمة، بما يؤدي تدريجيا إلى تغيير الأعراف والحدود المفروضة من الدولة.
وقد تجلت هذه الظاهرة بوضوح في تعامل النساء الإيرانيات مع الحجاب الإلزامي. فالتغيير لم يبدأ عبر حركة سياسية منظمة، بل من خلال توسيع تدريجي لهوامش اللباس المقبول اجتماعيا، حيث أصبح الحجاب أكثر تراخيا، إلى أن وصلت الأمور، خصوصا بعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، إلى ظهور نساء كثيرات في الأماكن العامة من دون حجاب بالكامل، رغم القيود القانونية القائمة.
ولم يقتصر التحول على مسألة الحجاب، بل شمل أيضا طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل المدن. فقد ازدادت التجمعات المختلطة في المقاهي والحدائق والأماكن العامة، وأصبح التفاعل المفتوح بين الشبان والشابات أكثر حضورا رغم القيود الرسمية. كما ظهرت أنماط حياة كانت تعتبر في السابق بعيدة عن النموذج الاجتماعي الذي سعت الجمهورية الإسلامية إلى تكريسه.
ومن العلامات اللافتة أيضا على هذا التحول تزايد حضور الحيوانات الأليفة، وخاصة الكلاب، في الشوارع والأماكن العامة، رغم النظرة المحافظة التي سادت لعقود تجاه اقتناء الحيوانات داخل المجتمع الإيراني الرسمي. وتحول هذا الأمر بدوره إلى تعبير رمزي عن تنامي النزعة الفردية والرغبة في توسيع هامش الحرية الشخصية داخل الحياة اليومية.
وبمرور الوقت لم يعد الفضاء العام يعكس بالكامل الرؤية الاجتماعية والأيديولوجية التي أرادتها الدولة، بل أصبح مجالا مفتوحا لصراع يومي غير معلن بين المجتمع والسلطة. وفي المقابل انسحب أنصار النظام والجماعات المحافظة تدريجيا إلى فضاءات أكثر انغلاقا، سواء داخل أحياء تقليدية في وسط طهران مثل خيابان إيران وهدايت، أو في المدن والمجمعات السكنية التي أنشأتها الدولة للموالين.
وفي مناطق مختلفة من البلاد أقامت الجمهورية الإسلامية فضاءات شبه مغلقة لعناصر الباسيج وعائلات الحرس الثوري والجماعات المحافظة، مثل “شهرك محلاتي”، بهدف الحفاظ على الانسجام الأيديولوجي والاجتماعي داخل تلك البيئات. كما نشأت شبكات اجتماعية موازية تضم مدارس ومقاهي ومطاعم وفنادق ومراكز ترفيه تخضع لقواعد صارمة تتعلق باللباس والسلوك والعلاقات الاجتماعية.
لكن خارج هذه الجيوب المغلقة ظل الفضاء الحضري الأوسع يتحول تدريجيا لصالح الإيرانيين العاديين الذين أعادوا تشكيله عبر ممارسات يومية هادئة ومتواصلة. غير أن الحرب قلبت هذا التوازن، ولو بصورة مؤقتة على الأقل. فمع بقاء قطاعات واسعة من السكان داخل المنازل، عاد أنصار النظام إلى الشوارع بقوة، وتحولت المسيرات والهتافات والتجمعات المنظمة إلى وسيلة لاستعادة السيطرة الرمزية والميدانية على المجال العام.
ومن خلال إعادة ملء الشوارع بأنصارها، تحاول الدولة استعادة نظام اجتماعي كانت قبضتها عليه تتراجع تدريجيا خلال السنوات الماضية. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد استعراض سياسي، بل بإعادة فرض تصور معين للشرعية والسلطة والهوية العامة داخل المجتمع الإيراني.
وبهذا المعنى أنتجت الحرب نتيجة داخلية غير مقصودة، إذ منحت القوى الموالية للنظام فرصة لإعادة احتلال الفضاء الحضري الذي كان يشهد تحولا متزايدا بعيدا عن الأيديولوجيا الرسمية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن السيطرة على الشارع لا ترتبط فقط بالأمن، بل أيضا بتشكيل صورة القوة والشرعية والقدرة على فرض الحضور العلني.
الحضور الأمني الكثيف ضيّق حركة المواطنين، خصوصا المعارضين أو أولئك الذين يفضلون الابتعاد عن الأجواء السياسية المشحونة
ويتزامن ذلك مع تحول هيكلي أعمق داخل الدولة الإيرانية نفسها، حيث يتجه النظام بصورة متزايدة نحو نموذج أمني أكثر مركزية يتمحور حول الحرس الثوري وأجهزته المرتبطة. فكلما ازدادت الدولة اعتمادا على الإكراه والانضباط الأيديولوجي، ازدادت حاجتها أيضا إلى حضور اجتماعي مرئي داخل الشوارع والأماكن العامة.
أما بالنسبة إلى الإيرانيين العاديين، فإن النتيجة تبدو واضحة: الفضاء العام، الذي كان محدودا أصلا، أصبح أكثر ضيقا وخضوعا للرقابة. وما كان يُنظر إليه سابقا كشكل من أشكال المقاومة اليومية الهادئة عبر احتلال الشارع وإعادة تشكيله اجتماعيا، بات اليوم مقيدا بظروف الحرب والحضور الأمني المكثف.
كما يعقد هذا المشهد الافتراضات المتعلقة بقرب انهيار النظام أو تآكل قاعدته الاجتماعية بالكامل. فرغم محدودية التأييد الشعبي للجمهورية الإسلامية مقارنة بالمراحل السابقة، فإن القاعدة الموالية للنظام لم تختف، بل أصبحت أكثر تماسكا وتنظيما وظهورا في ظل الظروف الحالية.
وما يتشكل داخل إيران اليوم لا يبدو انهيارا للجمهورية الإسلامية بقدر ما يبدو انتقالا نحو نموذج أكثر انغلاقا ومركزية، يعتمد على نواة أصغر حجما لكنها أكثر تعبئة وولاء، في مقابل مجتمع أوسع يجري احتواؤه أمنيا وإبعاده تدريجيا عن المجال العام.
ولهذا، لا تُخاض الحرب داخل إيران بالصواريخ والغارات الجوية فقط، بل أيضا في شوارع طهران والمدن الكبرى، حيث تدور معركة موازية تتعلق بمن يملك الحق في الظهور والحضور والسيطرة على الفضاء العام، حتى وإن كان ذلك بصورة مؤقتة.
تكشف التحولات الجارية داخل إيران أن الحرب لم تؤد فقط إلى تعزيز القبضة الأمنية للنظام، بل أعادت أيضا ترتيب التوازن داخل الفضاء العام لصالح القوى الأكثر تنظيما وولاء. ومع تراجع الحضور الاجتماعي للإيرانيين العاديين في الشارع، يبرز نموذج أكثر انغلاقا ومركزية، يعتمد على الحرس الثوري وشبكاته الاجتماعية والأمنية لإعادة فرض السيطرة على المجال الحضري.
غير أن هذا التحول، رغم ما يمنحه للنظام من قدرة مؤقتة على استعادة الحضور والهيبة، يعكس أيضا اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويؤشر على أن الصراع الحقيقي داخل إيران لم يعد يدور فقط حول السلطة السياسية، بل حول من يملك الحق في تشكيل الحياة العامة وتحديد ملامح المجتمع الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب.