دعم أميركي للزيدي دون منحه صكا على بياض في ملف الميليشيات

وكالة أنباء حضرموت

تظهر الاتصالات والتهاني التي تلقاها رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي من قيادات أميركية، رضا واشنطن على اختيار الرجل القادم من خلفية مجتمع المال والأعمال لقيادة السلطة التنفيذية في العراق لأربع سنوات قادمة، وتؤشّر على بقاء قنوات التواصل والتنسيق والتعاون متعدّد الجوانب مفتوحة بين بغداد وواشنطن، بعد أن كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد هدّد بشكل صريح ومعلن بقطعها في حال وصول شخصية موالية لإيران وداعمة لميليشياتها إلى رئاسة الحكومة العراقية.

لكن ذلك التواصل لا يعني أن الزيدي حاصل على صكّ على بياض من الولايات المتحدة، إذ إن الدعم المعلن له إلى حدّ الآن من واشنطن سيكون مشروطا باتخاذه خطوات عملية ملموسة باتجاه الابتعاد بالعراق عن دائرة التأثير الإيراني القوي والحدّ من نفوذ الجمهورية الإسلامية في البلد.

وتكمن المشكلة في كون ذلك يمرّ حتما عبر ضبط حركة الميليشيات الموالية لطهران في العراق والسيطرة على سلاحها وصولا إلى حلّها وفقا لما طالبت به إدارة ترامب أكثر من مرّة، وهي أمور بالغة الصعوبة في ظل ما هو معروف من تغلغل تلك الفصائل في مفاصل الدولة العراقية واختراقها لمختلف مؤسساتها، حتّى إنّ الميليشيات نفسها مساهمة في اختيار الزيدي لرئاسة الحكومة من خلال موقعها في الإطار التنسيقي الجامع لأبرز القوى الشيعية وأيضا من خلال كتلها الوازنة في البرلمان.

وبحث الزيدي، الأربعاء، مع وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث التعاون الأمني بين بغداد وواشنطن وإعادة تفعيل الجانب التدريبي للقوات العراقية.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقاه الزيدي من هيغسيث، حسب بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء المكلف.

وجاء الاتصال بعد أيام من تهنئة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للزيدي بمناسبة تكليفه، ودعوته إلى زيارة واشنطن عقب تشكيل الحكومة المقبلة.

وذكر البيان أن هيغسيث هنأ الزيدي بتكليفه بتشكيل الحكومة، وبحثا العلاقات الثنائية، لاسيما التعاون الأمني، في إطار اتفاقية الإطار الإستراتيجي بين البلدين.

وهذه الاتفاقية الأمنية التي يعود إبرامها لعام 2008 تحدد الأحكام والمتطلبات الرئيسة التي تنظم الوجود المؤقت للقوات الأميركية في العراق وأنشطتها فيه وانسحابها منه.

وشدد الزيدي وهيغسيث على “أهمية إعادة تفعيل التعاون في مجال التدريب، بما يعزز قدرات القوات المسلحة العراقية ويرفع مستوى كفاءتها”، حسب البيان.

وكلف الرئيس العراقي نزار آميدي في السابع والعشرين من أبريل الماضي الزيدي بتشكيل الحكومة، عقب توافق تحالف الإطار التنسيقي، الكتلة النيابية الأكثر عددا، على ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء.

والإطار التنسيقي هو المظلة السياسية الجامعة للقوى الشيعية الرئيسية في العراق باستثناء التيار الصدري، وتأسس عقب انتخابات عام 2021.

ويضم هذا التحالف ائتلافات وازنة يتصدرها ائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي الذي رفض ترامب بشكل صريح عودته لقيادة الحكومة العراقية لولاية ثالثة بعد ولايتيه السابقتين بين 2006 و2010، وتحالف الفتح بزعامة هادي العامري وهو هيكل ممثل لميليشيات الحشد الشعبي، وقوى الدولة برئاسة عمار الحكيم.

وقال مسؤول رفيع المستوى إن الولايات المتحدة تتطلع إلى “إجراءات ملموسة” من رئيس الوزراء العراقي المكلف لإبعاد الجماعات المسلحة الموالية لإيران عن مؤسسات الدولة ومواقع القرار فيها لاستئناف المساعدات المالية والأمنية.

ونقلت وكالة فرنس براس عن المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية دون الكشف عن هويته بطلب منه أنّ على رئيس الوزراء الجديد توضيح “الخط الفاصل غير الواضح” بين الدولة العراقية والجماعات الموالية لإيران.

وكانت واشنطن قد علّقت تحويل نصف مليار دولار من المدفوعات النقدية لعائدات النفط التي تمرّ حتما بالاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بموجب اتفاقية تعود إلى ما بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، فضلا عن تعليق المساعدات الأمنية على خلفية سلسلة هجمات على المصالح الأميركية عقب اندلاع الحرب في الشرق الأوسط بهجوم أميركي – إسرائيلي على إيران.

وشدد المسؤول على أن “استئناف الدعم الكامل يتطلب أولا طرد الميليشيات الإرهابية من جميع مؤسسات الدولة، وقطع دعمها من الميزانية العراقية، ومنع صرف رواتب مقاتليها”. وأضاف “هذه هي الإجراءات الملموسة التي ستمنحنا الثقة وتؤكد وجود عقلية جديدة”.

وذكّر المسؤول ذاته بأن المنشآت الأميركية في العراق تعرضت لأكثر من 600 هجوم بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير. وقال “لا أستهين بخطورة التحدي أو بما يتطلبه الأمر لفك تشابك هذه العلاقات. قد يبدأ الأمر ببيان سياسي واضح لا لبس فيه بأن الميليشيات الإرهابية ليست جزءا من الدولة العراقية”، معتبرا أن بعض أطراف الدولة العراقية “لا تزال توفر غطاء سياسيا وماليا وعملياتيا لهذه الميليشيات الإرهابية”.

وفي المحصلة، يقف علي الزيدي أمام معادلة دقيقة لا تحتمل المراوغة: كسب ثقة واشنطن من دون تفجير توازنات الداخل الهشّة، واستعادة هيبة الدولة من دون الانزلاق إلى صدام مفتوح مع قوى نافذة.

لن يتجاوز الدعم الأميركي حدود الإسناد المشروط، ولن يتحوّل إلى مظلّة دائمة ما لم تُترجم الوعود إلى قرارات جريئة تُعيد رسم الخط الفاصل بين الدولة والسلاح الموازي. وبين اختبار الإرادة السياسية وضغط الوقائع الميدانية، سيكون مستقبل حكومته مرهونا بقدرته على الانتقال من إدارة التوازنات إلى تفكيكها، ومن مسايرة النفوذ إلى تقليصه، بما يعيد للعراق قراره السيادي ويضعه على سكة استقرار طال انتظاره.