إيران بعد وقف النار.. نظام يتآكل
في أعقاب وقف النار الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جاء توصيف قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، لما تعرضت له إيران باعتباره «هزيمة عسكرية تاريخية» ليضع إطارًا تحليليًا جديدًا لفهم ما جرى.
كان رد طهران يتجاهل، وفقا لصحيفة نيويورك بوست، السؤال الأهم: هل ما يزال هذا الكيان قادرًا على الفعل الاستراتيجي، أم أنه فقد أدواته الأساسية في التأثير والتوجيه؟
عقيدة "الفسيفساء"
ولفهم المشهد الراهن، لا بد من العودة إلى التحولات التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حين أعاد الحرس الثوري هيكلة نفسه وفق ما عُرف بـ"عقيدة الفسيفساء"، التي قامت على توزيع السلطة عبر 31 قيادة إقليمية تمتلك استقلالية نسبية في التسليح والقرار، بما يضمن استمرار القتال حتى في حال سقوط القيادة المركزية.
هذه العقيدة نجحت نظريًا في منع الانهيار الفوري، لكنها حملت في طياتها تناقضًا جوهريًا.
ومع تصاعد الضربات الدقيقة، بدأت هذه البنية تتآكل تدريجيًا، ما أدى إلى تفكك مزدوج: تراجع التماسك الأفقي للقيادات الإقليمية، وانهيار العمود الفقري الوظيفي في الوقت ذاته.
الأهم من ذلك، أن هذه اللامركزية تحولت تحت الضغط إلى عبء سياسي. فقد كشف الاعتذار العلني الذي قدمه الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان لدول الخليج عن ضربات عسكرية منفلتة، عن فجوة عميقة بين القرار السياسي والتنفيذ العسكري، فلم يعد الجيش أداة بيد القيادة، بل عبئًا تُحاسب عليه.
من الاختراق الاستخباراتي إلى الخنق المالي
لم يكن التفكك نتيجة عامل واحد، بل نتاج تفاعل ثلاثة مسارات ضغط رئيسية.
أولها، الاختراق الاستخباراتي العميق. فقد شكّل اغتيال قيادات بارزة داخل إيران، بينها شخصيات رفيعة وفي مواقع شديدة الحساسية، مؤشرًا على اختراق غير مسبوق للبنية الأمنية.
هذا الاختراق لم يُضعف القدرات العملياتية فحسب، بل زرع حالة من الشك الدائم داخل الأجهزة الإيرانية، ما قيد قدرتها على اتخاذ القرار وأفقدها الثقة في منظومتها الداخلية.
ثانيها: الاستنزاف العسكري المنهجي. فبدلاً من مواجهة القوة الإيرانية بشكل مباشر، اعتمدت العمليات العسكرية على تفكيك تدريجي للشبكات والقدرات، مستهدفة مراكز الثقل بدقة عالية. هذا النمط من الحرب حوّل "عقيدة الفسيفساء" من أداة بقاء إلى منظومة تتآكل ببطء دون القدرة على التعافي.
أما العامل الثالث، فهو التضييق المالي، وهو الأكثر حسماً على المدى الطويل. فقد تعرضت شبكات التمويل التي يعتمد عليها الحرس الثوري لضربات متلاحقة، شملت اعتراض أسطول تهريب النفط، وفرض عقوبات على شركات واجهة.
النتيجة كانت تآكل القدرة على تمويل العمليات ودفع الرواتب، وهو ما يهدد استمرارية أي منظومة عسكرية أو أمنية.
في ظل هذه الضغوط، دخلت واشنطن مرحلة وقف إطلاق النار وهي تمتلك تفوقًا متعدد الأبعاد: عسكريًا، ماليًا، وإقليميًا. في المقابل، بدا التهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز أقرب إلى محاولة للحفاظ على ماء الوجه، أكثر منه ورقة ضغط فعالة.
وخلصت الصحيفة إلى أن النظام الذي صُمم ليصمد أمام الضربات القاصمة، يواجه الآن تحديًا مختلفًا: التآكل البطيء من الداخل، تحت ضغط متواصل لا يمنحه فرصة لإعادة التوازن.