هل يظهر نظام أمني جديد في الخليج بعد الحرب الإيرانية؟
مع تصاعد الحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية في أوائل عام 2026، شهد الخليج العربي واحدة من أخطر الأزمات الأمنية منذ عقود، إذ أغلقت إيران عمليًا مضيق هرمز، الممر البحري الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو خمس صادرات النفط العالمية.
ولم يكن هذا الإغلاق مجرد تهديد لحركة النفط فحسب، بل قلب بالكامل مفاهيم الأمن البحري التقليدي في المنطقة وأرغم دول الخليج على إعادة تقييم تحالفاتها الاستراتيجية والاعتماد على واشنطن لحماية المصالح الحيوية.
وما كان يُعرف لعقود بـ"صفقة النفط مقابل الأمن" بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والعديد من دول الخليج أصبح اليوم في مهب الريح، مما يطرح تساؤلات جدية حول ظهور نظام أمني جديد في المنطقة بعد هذه الحرب.
ولطالما قدمت العلاقة الخاصة بين واشنطن والرياض، التي بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، استقراراً كبيراً لسوق الطاقة العالمية، حيث ضمنت المملكة ودول الخليج الأخرى تدفق النفط بشكل مستمر إلى الأسواق العالمية، خاصة آسيا والغرب، مقابل حماية أميركية مباشرة.
وساعدت هذه المعادلة على استقرار الأسواق وأسعار النفط، ومكنت من تحقيق نمو اقتصادي عالمي طويل الأمد. لكن إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره يوميًا عشرات ملايين البراميل من النفط الخام والمنتجات المكررة، كشف هشاشة هذا النظام القديم.
وأفادت الوكالة الدولية للطاقة أن الإغلاق منع نحو 20 مليون برميل يوميًا من الوصول إلى الأسواق، أي نحو 20 في المئة من استهلاك النفط العالمي، مع فقدان القدرة على تفعيل طاقات احتياطية تبلغ نحو 4 ملايين برميل يوميًا من إنتاج العراق والكويت والسعودية والإمارات كانت تعمل سابقًا كصمام أمان للسوق.
ولا تقتصر الأزمة الحالية على النفط فحسب، فقد توقفت أيضًا شحنات الغاز الطبيعي المسال واليوريا والأمونيا والمواد البتروكيماوية والغاز النفطي المسال، مما أدى إلى اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد الصناعية والزراعية، وزيادة الأسعار عالميًا. ويعرض توقف هذه المواد الأساسية أثر على الصناعات الدقيقة مثل أشباه الموصلات وتصنيع الأسمدة، الأمن الغذائي والصناعي للخطر ويزيد الضغط على الاقتصادات العالمية.
وأظهر إغلاق هرمز الفارق الكبير بين قوة إيران النسبية وقدرتها على استخدام أدوات غير تقليدية لتعطيل النظام الدولي، فبينما يتطلب إعادة فتح المضيق حماية عشرات السفن يوميًا بمرافقة بحرية مكثفة، يمكن لإيران باستخدام الطائرات المسيرة الانتحارية والألغام البحرية والتهديد المباشر للشحن، أن توقف الملاحة أو تضغط على أسعار النفط بسهولة نسبية.
وأظهرت الهجمات الإيرانية على السفن في الخليج فاعلية الاستراتيجية غير المتكافئة: قليل من الموارد مع تأثير كبير على الاقتصاد العالمي، ما يمنح إيران نفوذًا استراتيجيًا على المدى القصير ويجعل أي استجابة أمريكية مكلفة ومعقدة.
وأجبرت هذه الأزمة دول الخليج على إعادة تقييم دورها في ضمان أمن الملاحة والتدفق النفطي.
وكشف الإغلاق الإيراني محدودية الاعتماد على واشنطن، خاصة بعد سلسلة إخفاقات أمنية سابقة، مثل الغارات الإيرانية على منشآت أرامكو في سبتمبر 2019، وضربات أخرى على الدوحة والبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، بدأت بعض الدول الخليجية التفكير في تنويع خياراتها الأمنية، بما في ذلك تعزيز التعاون الإقليمي المباشر، تحسين قدرات الدفاع الذاتي، وربما إعادة التفكير في تشكيلات بحرية مشتركة تضمن حماية الطرق البحرية الحيوية.
وأبدت الإمارات والسعودية والكويت اهتمامًا بزيادة التنسيق العسكري البحري وتبادل المعلومات الاستخباراتية لتجنب أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات الحيوية.
وأظهرت الأزمة أن نموذج "الحماية الأميركية المطلقة" أصبح غير مستدام. فبغض النظر عن القوة العسكرية الأميركية، فإن الاعتماد الكلي عليها لا يحمي دول الخليج من الهجمات المفاجئة أو الأزمات الاقتصادية الناتجة عن تعطيل إمدادات الطاقة.
أي محاولة لتغيير النظام الأمني القديم يجب أن ترافقها حلول دبلوماسية لتخفيف حدة التوتر مع إيران، وإيجاد قواعد عمل مشتركة
ودفع هذا صناع القرار الخليجيين إلى التفكير في بناء "نظام أمني إقليمي" جديد يعتمد على تعاون عسكري إقليمي بين دول الخليج، تبادل معلومات استخباراتية محليًا وإقليميًا، وتعزيز القدرات الذاتية للدفاع البحري والجوي، بالإضافة إلى تطوير مخزونات نفطية احتياطية واستراتيجيات بديلة لنقل النفط عبر مسارات غير محصورة بمضيق هرمز.
وتهدف هذه الخطوات إلى تقليل الاعتماد على القوى الخارجية وضمان استمرار إمدادات الطاقة حتى في ظل توترات إقليمية أو حروب مستقبلية.
ورغم الرغبة في تأسيس نظام أمني جديد، تواجه دول الخليج تحديات سياسية معقدة، فالعلاقات مع إيران، والخلافات الداخلية بين دول الخليج، وطبيعة التحالفات الدولية، تجعل من الصعب اعتماد نظام أمني موحد وسريع التنفيذ.
كما أن الولايات المتحدة لا تزال تمثل لاعبًا رئيسيًا، وتركز استراتيجيتها على الحفاظ على نفوذها، مما قد يتسبب في توترات مع دول الخليج إذا حاولت إدارة أمنها بشكل مستقل.
كما أن أي محاولة لتغيير النظام الأمني القديم يجب أن ترافقها حلول دبلوماسية لتخفيف حدة التوتر مع إيران، وإيجاد قواعد عمل مشتركة لضمان حرية الملاحة، وفتح قنوات حوار إقليمي لمنع التصعيد العسكري المفاجئ.
وأظهرت الحرب الإيرانية الأخيرة هشاشة النظام الأمني الخليجي القديم وأبرزت الحاجة الملحة لتطوير نظام أمني جديد أقل اعتمادًا على القوى الكبرى وأكثر قدرة على الصمود أمام التهديدات غير التقليدية، كما سلطت الضوء على ضرورة دمج الجوانب العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في استراتيجية واحدة لحماية مصالح المنطقة الحيوية.
ومن المتوقع أن يشهد العقد القادم تغييرات كبيرة في شكل التحالفات الأمنية في الخليج، مع احتمالية ظهور تحالفات بحرية مشتركة، قواعد إقليمية للاستخبارات، ونماذج دفاعية مبتكرة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة. لكن نجاح هذه المبادرات سيتوقف على القدرة على التغلب على الخلافات الداخلية والتنسيق مع القوى الدولية وتوازن العلاقات مع إيران لتجنب اندلاع أزمات متكررة.
وفي ظل الأزمة الإيرانية الحالية، يتضح أن النظام الأمني القديم الذي يقوم على حماية أمريكية شبه مطلقة لم يعد كافيًا لضمان أمن الخليج واستقرار سوق الطاقة العالمي.
ونتيجة لذلك، تظهر فرص حقيقية لبناء نظام أمني خليجي جديد يوازن بين الاعتماد على الذات والتعاون الإقليمي والدور الأميركي بطريقة أكثر استراتيجية وتوازنًا.
ولن تكون إدارة هذا التحول سهلة، فالأزمة كشفت عن ضعف الثقة في الحماية التقليدية وأظهرت الحاجة إلى استعداد شامل لمواجهة أي تصعيد إيراني مستقبلي.
وسيكون النظام الأمني الجديد في الخليج اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنطقة على حماية مصالحها الحيوية وضمان استمرار التدفق الحر للطاقة العالمية وتأسيس قاعدة صلبة للتعاون الإقليمي بعيدًا عن الاعتماد الكلي على القوى الخارجية.