تونس تطلق مشروعًا سكنيّا نموذجيّا ضخمًا بمعايير الاستدامة
دخلت تونس مرحلة مفصلية في مسار إعادة هيكلة القطاع العقاري، حيث أطلقت مشروعا يشكل إحدى أبرز المبادرات السكنية النموذجية التي تسعى إلى القطع مع أنماط البناء التقليدية، عبر تبني مقاربات حديثة تقوم على الاستدامة البيئية والمرونة المناخية.
ويأتي انطلاق مشروع “العقبة 2” بولاية (محافظة) منوبة، إحدى الولايات الأربع التي تشكل إقليم تونس الكبرى، في ظل تحولات متسارعة يشهدها قطاع السكن، مدفوعة بارتفاع الطلب وتزايد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الضغوط البيئية التي باتت تفرض نفسها على السياسات العمرانية.
ويُعد المشروع الذي تشرف عليه الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية (سنيت)، ولم يتم الكشف عن كلفته التقديرية، حجر الزاوية ضمن مبادرة “جديد” للتنمية العقارية المستدامة، المنجزة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في تونس.
وقد شكّل محور نقاشات فنية واقتصادية وبيئية خلال ورشات عمل جمعت مختلف المتدخلين، في محاولة لوضع تصور متكامل لنموذج عمراني قادر على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.
وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء التونسية الرسمية يمتد المشروع على مساحة تستوعب نحو 5 آلاف وحدة سكنية، موجهة لما يقارب 20 ألف ساكن، مع اعتماد تصميمات تراعي كفاءة الطاقة وحسن إدارة الموارد الطبيعية، خاصة المياه.
ويقوم هذا النموذج على مفهوم “المرونة البيئية”، من خلال إدماج حلول عملية للحد من مخاطر الفيضانات والتكيف مع فترات الجفاف، في سياق مناخي يشهد تزايداً في حدة الظواهر القصوى.
كما يهدف المشروع إلى توفير بيئة عمرانية متكاملة تجمع بين السكن والخدمات والبنية التحتية الحديثة.
ويبرز “العقبة 2” كأحد النماذج التي تعكس هذا التوجه الجديد، إذ لا يقتصر دوره على توفير وحدات سكنية فحسب، بل يمثل تجربة متكاملة لإعادة التفكير في أنماط التهيئة العمرانية، بما يحقق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
ويُنتظر أن يشكل نجاحه منطلقاً لتعميم هذا النموذج على مشاريع أخرى، في إطار سعي تونس إلى بناء مدن أكثر استدامة وعدالة، قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
ويكتسي المشروع بعدا اجتماعيا واضحا، إذ يندرج ضمن توجه الدولة لإعادة إحياء الدور الاجتماعي للشركات العقارية المملوكة للدولة، وفي مقدمتها سنيت، إلى جانب الوكالة العقارية للسكنى وشركة النهوض بالمساكن الاجتماعية.
ويأتي ذلك تنفيذا لتوجيهات الرئيس قيس سعيد الذي يدعو إلى تمكين الفئات محدودة ومتوسطة الدخل من النفاذ إلى مسكن لائق بأسعار مدروسة، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.
وتكشف الأرقام الرسمية عن مفارقة لافتة في القطاع، حيث بلغ الرصيد السكني، وفق نتائج التعداد العام للسكان لسنة 2024، نحو 4.2 مليون وحدة سكنية، مقابل حوالي 3.4 مليون أسرة.
ورغم هذا الفائض النظري، لا يزال النفاذ إلى السكن يمثل إشكالية حقيقية، نتيجة اختلال التوزيع الجغرافي للسكان.
ويتركز نحو ثلثي السكان على الشريط الساحلي الذي لا يتجاوز 10 في المئة من المساحة الجملية للبلاد، ويحتضن في المقابل حوالي 80 في المئة من النشاط الاقتصادي.
آلاف وحدة سكنية يوفرها مشروع "العقبة 2" بولاية منوبة، وهي موجهة لما يقارب 20 ألف ساكن
وتتفاقم هذه الإشكالية مع الارتفاع الحاد في كلفة البناء، حيث شهدت أسعار مواد البناء زيادة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب ارتفاع كلفة اليد العاملة، ما أدى إلى تضخم أسعار المساكن وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
كما ساهم ارتفاع كلفة التمويل البنكي في تعميق الفجوة بين العرض والطلب، خاصة بالنسبة إلى الفئات ذات الدخل المحدود.
وفي مواجهة هذه التحديات أقرت الحكومة حزمة من الإجراءات التحفيزية ضمن قوانين المالية لسنتي 2025 و2026، بهدف تنشيط السوق العقارية وتيسير التملك.
ومن أبرز هذه الإجراءات التفويت في أراضٍ على ملك الدولة لفائدة شركات التطوير العقاري الحكومي بالدينار الرمزي لإنجاز مشاريع سكنية اجتماعية.
والدينار الرمزي هو مصطلح قانوني وإداري يعني بيع أو تأجير عقارات وأراضٍ أو ممتلكات تابعة للدولة بسعر رمزي جدا (دينار واحد غالبا) بدلاً من قيمتها الحقيقية.
ويهدف هذا الإجراء إلى دعم مشاريع السكن الاجتماعي للعائلات محدودة الدخل، أو تشجيع الاستثمار في المناطق التنموية.
وإلى جانب ذلك تم تخفيض الرسوم على القيمة المضافة من 13 في المئة إلى 7 في المئة بالنسبة إلى المساكن التي لا يتجاوز سعرها 400 ألف دينار (131.1 ألف دولار).
كما تم توسيع نطاق برنامج “المسكن الأول” ليشمل تمويل البناء الذاتي، إضافة إلى العمل على تطوير آليات جديدة مثل “الإيجار المملك”، والتي تتيح للأسر اقتناء مساكن عبر نظام تدريجي يتماشى مع قدراتها المالية.
وتندرج هذه الإصلاحات ضمن رؤية أوسع تهدف إلى إرساء سياسة سكنية أكثر عدلاً ونجاعة، وتضمن الحق في السكن كأحد الحقوق الأساسية.
ورغم هذه الجهود لا تزال عدة تحديات تعيق تطور القطاع، من بينها ضعف الرقابة على البناءات غير المرخصة، وتعقيد الإجراءات الإدارية المتعلقة برخص البناء والتقسيمات العمرانية، وندرة الأراضي الصالحة للبناء داخل المناطق الحضرية وارتفاع أسعارها.
كما يشكل التوسع العمراني على حساب الأراضي الفلاحية أحد أبرز الإشكاليات التي تهدد التوازنات البيئية والاقتصادية.
وفي هذا السياق تعمل الحكومة على مراجعة الإستراتيجية الوطنية للسكن، مع التركيز على تحسين التوازن بين العرض والطلب، وتوجيه الاستثمارات نحو المناطق ذات الضغط العمراني المرتفع.
وتسعى كذلك إلى رقمنة الخدمات الإدارية وتبسيط الإجراءات، بهدف تسريع إنجاز المشاريع وتقليص آجال الحصول على التراخيص.
وشرعت الحكومة في إنجاز المرحلة الأولى من برنامج يشمل إنجاز 5 آلاف مسكن في إطار مخطط التنمية 2026 – 2030 بكلفة تقارب 256 مليون دولار، ويشمل القسط الأول 1213 مسكنا، تتوّزع على 11 ولاية بكلفة تقدّر بحوالي 73.1 مليون دولار.