من أنفاق غزة إلى الأسواق.. حماس تعوض خسائرها بضرائب جديدة على الباعة

وكالة أنباء حضرموت

في الوقت الذي أعلن فيه دونالد ترامب، انطلاق المرحلة الثانية من خطته للسلام ذات العشرين بندًا — والتي يُفترض أن تمهّد لنهاية «حماس»، تدخل الحركة عام 2026 وهي في «واحدة من أقوى أوضاعها المالية منذ سنوات».

هذا ما أكدته صحيفة «التلغراف» البريطانية، والتي كشفت سر تحسن الأوضاع المالية للحركة الفسطينية، قائلة إن ذلك يعود إلى الضرائب الشهرية التي تفرضها الحركة على الباعة المتجولين.

أحد هؤلاء والذي فضل عدم الكشف عن هويته، قال للصحيفة البريطانية، إن «حماس» طرقت بابه مطالبة إياه بدفع أكثر من 470 جنيهًا إسترلينيًا شهريًا كضريبة.

وقال الرجل، عقب فرض الجباية الجديدة عليه: «نجونا من الحرب، لكن يبدو أنهم يريدوننا أن نموت قهرًا. نحن مشردون منذ عامين، ولم يعد لدينا ما نخسره».

وأُعلنت هذه الضريبة في يناير/كانون الثاني ضمن موجة من الرسوم الجديدة و«عمليات الابتزاز الصريح»، التي تعمل من خلالها الحركة على إعادة ملء خزائنها بوتيرة سريعة.

وتشمل الإجراءات، وفق ما يرويه سكان غزة، فرض ضرائب مزدوجة على السلع المستوردة التي بدأت تتدفق مجددًا بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، إضافة إلى اقتطاع نسبة كبيرة من أنشطة الصرافة وتجارة التبغ.

وبالتوازي مع ذلك، أعاد مسؤولون في الاستخبارات الإسرائيلية تقييم طريقة إدارة «حماس» لملفها المالي خلال الحرب بصورة جذرية.

ويعتقد هؤلاء الآن أن الحركة نجحت في الحفاظ على كميات ضخمة من النقد داخل أنفاقها، رغم ضراوة القتال فوق الأرض.

عناصر من حركة حماس

وقال مسؤول إسرائيلي لصحيفة «ذا تلغراف»: «أخشى أنه، وبفضل عمقها المالي، فإن حماس قوية بما يكفي للاستمرار إلى الأبد»، مضيفًا: «الحرب قتلت عددًا كبيرًا من عناصرها، لكنها لم تغير سيطرتها على السكان».

وبحسب الصحيفة البريطانية، فإن هذه الأموال مكنت «حماس» من مواصلة دفع رواتب كبار مسؤوليها، وفرض قبضة محكمة على سكان غزة ومفاصل الإدارة المدنية، كما أتاحت لها الاستمرار في دفع رواتب آلاف المقاتلين، حال استئناف الحرب، وإعادة بناء بنيتها التحتية العسكرية.

وفي المقابل، يرزح السكان المدنيون — ومعظمهم يعيش في خيام — تحت وطأة غلاء معيشة، تفاقمه الضرائب المفروضة على السلع الأساسية.

وقال الدكتور أحمد محمد مرتجى، المحلل الأمني الفلسطيني، إن «هذا الاقتصاد القائم على الضرائب لا يهدف إلى تعزيز الاقتصاد الوطني أو تخفيف معاناة المواطنين. بل هو في جوهره اقتصاد استغلالي يثقل كاهل السكان ويعمّق الأزمة في قطاع غزة».

ورغم تباين الأرقام بشأن عدد شاحنات البضائع التي يُسمح لها بدخول غزة يوميًا — وهو رقم محل جدل دائم — فإن نحو ثلثيها تقريبًا شاحنات سلع تجارية خاصة، وليس مساعدات مقدمة من الأمم المتحدة أو منظمات غير حكومية أخرى.

ضرائب جديدة
ويقول محللون إن «حماس» باتت تطالب بدفع نقدي مسبق يتراوح بين 15 و20% من قيمة البضائع، ثم تفرض ضرائب إضافية على بيع السلع داخل الأسواق، قد تصل، بحسب المنطقة، إلى 30%.

وبسبب شح التبغ منذ اندلاع الحرب، بات سعر علبة السجائر يتراوح بين 40 و60 دولارًا، فيما أفاد شهود للصحيفة بأن «حماس» اختطفت تجارًا لإجبارهم على التخلي عن جزء من أرباحهم.

واعترف مسؤولون في الجيش الإسرائيلي هذا الشهر بأنهم يعتقدون أن «حماس» ضاعفت خزائنها بعشرات الملايين من الدولارات شهريًا خلال عام 2025.

كما بات محللون عسكريون واستخباراتيون يستوعبون حجم المرونة المالية للحركة، مرجحين أنها خططت لحماية مئات الملايين من الدولارات نقدًا طوال فترة القتال، لضمان استمرار دفع رواتب آلاف الموظفين.

عناصر من حركة حماس

وقال أحد ضباط الجيش الإسرائيلي: «جمعت حماس هذه المبالغ الهائلة على مدى سنوات استعدادًا ليوم عصيب وحصار طويل، وهذا أحد أسباب عدم انتفاض الشارع الغزي ضدها».

وأضاف: «واصلت حماس دفع رواتب لعشرات الآلاف من موظفيها وعناصرها حتى خلال الحرب، وخلال الأشهر الأخيرة عادت لدفع مبالغ تتراوح بين 800 و1500 شيكل شهريًا (187–351 جنيهًا إسترلينيًا)، وهي رواتب مرتفعة قياسًا بواقع غزة اليوم».

احتياطيات نقدية
وأشار إلى أن الحركة تمتلك احتياطيات نقدية تكفي لسنوات، معظمها من نحو 30 مليون دولار كانت قطر ترسلها شهريًا، بدعم إسرائيلي، في السنوات التي سبقت الحرب.

ويُفهم أن مخططي الجيش الإسرائيلي يندمون الآن على قرار عدم تدمير البنك المركزي في غزة مع بداية الحرب، إذ قامت «حماس» لاحقًا بنهبه ونقل كميات ضخمة من النقد إلى الأنفاق، ولم تتمكن إسرائيل من العثور عليها خلال عملياتها البرية، بحسب الصحيفة.

و«تتيح هذه الأموال لحماس، دفع ما يعادل نحو 400 جنيه إسترليني شهريًا لبعض كبار مسؤوليها»، على حد قول الصحيفة.

عناصر من حركة حماس

وكان مفاوضو «حماس» قد تواجدوا الأسبوع الماضي في القاهرة لإجراء محادثات بشأن المرحلة الثانية من عملية السلام.

وأبدت الحركة استعدادًا مبدئيًا للتخلي عن إدارة مؤسسات غزة، وأشارت إلى استعدادها للتعاون مع اللجنة الفنية الفلسطينية المعينة حديثًا، والتي ستعمل تحت مظلة الهيئة التنفيذية ومجلس السلام.

ويضم بعض أعضاء هذه اللجنة شخصيات عملت سابقًا عن كثب مع السلطة الفلسطينية، التي تدير أجزاء من الضفة الغربية، لكن إسرائيل تعتقد أنه من دون نزع سلاح الحركة، فإن «حماس» ستواصل فعليًا إدارة القطاع من وراء الستار.

نزع السلاح
وعلنيًا، لم تلتزم «حماس» بنزع سلاحها، مكتفية بالإيحاء بأنها قد تفعل ذلك في إطار قيام دولة فلسطينية كاملة في المستقبل، وهو سيناريو من شبه المؤكد أن إسرائيل ستمنعه.

في المقابل، يقول ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، إن خليل الحية، نائب رئيس المكتب السياسي السابق لـ«حماس»، أكد له سرًا استعداد الحركة للتخلي عن سلاحها.

ورغم الرغبة في الحفاظ على زخم سياسي، أعلن ويتكوف والرئيس الأمريكي بدء المرحلة الثانية رسميًا اعتبارًا من الأسبوع الماضي. لكن المخاوف تتزايد من أن «حماس» باتت قوية بما يكفي للاستمرار طالما تشاء، بفضل تدفقها المالي المستمر.

وبالنسبة لكثيرين في الجيش الإسرائيلي، فإن منطق هذا الواقع يقود حتمًا إلى العودة للحرب. أما بالنسبة لبائع السوق الغزي، فإن هذا الاحتمال يكاد يكون مستحيل الاحتمال.

وقال الرجل بأسى: «نحن نموت منذ عامين ولا نملك حتى الشواكل. كدنا نطوي صفحة الحرب، لكننا لم نتخلص ممن لا يخافون الله».