اخبار الإقليم والعالم
تصطدِم بجحيمِ المُحتالِين والسماسِرة..
أحلامُ السوريّين للوصول إلى جنّة اللّجوء إلى أوروبا
تتصاعَد رغبَة السوريّين المُقيمين داخل سوريا أو في دول الجوار إلى تحسين أوضاعهم المعيشيّة عبرَ السفَر إلى أوروبا وتقديم اللّجوء هُناك، وذلك بسببِ الحالَة الصعبَة من مُختلف النواحي، علّهم يجُدون حياةً كريمَة وبعيدة عن الحرب والصراعات والفقر و الضغوط الحياتيّة المستمرّة منذُ سنوات والّتي لا يوجد أفقٌ مُنتظر لحلّها في الوقت القريب.
لكن ماهي الصعوبات والمشاكل التّي يتعرّضون لها؟ وكيفَ يستغلّ المهرّبون والسماسرة وأصحاب المكاتب "الخاصّة" حالة الضُعف للسوريّين؟ ماهي أبرز حالات الإحتيال و"النَصب" الّذي يحصل مع الكثيرين منهم سواءً في سوريا أو تركيّا أو لبنان أو حتّى إيران وأوكرانيا وروسيا!
مصاعِب ومُغامرات على طريقِ اللّجوء
بدأت موجَات اللجوء الجماعيّ السوريّ إلى أوروبا عن طريق تركيّا ومن ثمّ اليونان منذُ عام 2015 "أكبر موجة لجوء للسوريّين منذُ 2011" ، وحينَها خرج ماهر من مدينة دمشق "26عام، لاجئ سوري بألمانيا ويعمل في مطعم بيتزا حالياَ" وكان عمرهُ وقتها 18 سنة، ويقول لـ"جُسور" إنه قرّر المغامرة بحياتِه عبر البحر حتّى بوجود احتمال الموت، فالمحاولة والغرق برأيه أفضل من الموتِ البطيء في بلدهِ سوريا.
ويضيف "تدرّبت لثلاثة أشهر قبلَ سفرِي في مسبَح خاص لكي أُتقن السباحَة، وحينَ اتفقت مع أصدقائي عبرَ مهرّب من تركيا إلى اليونان خرجنا ببِلم "قارب مطاطيّ" حجمهُ 12 متر، وكنّا حوالي 50 شخص.. وبعدَ إبحارنا لبعض الوقت جاءَ ناس ملثّمين مجهولين وثقبوا البِلم وأخذوا الموتور وأغرقوه وبدأ قاربنا يغرق! بدأنا بالسباحة وبعُضنا غرِق، حتّى جاءت باخرة تركيّة وأنقذتنا وأعادتنا إلى تركيّا و وُضعنا بسجنٍ مؤقّت."
وتابع "لكنّي هربتُ مع أصدقائي وعُدنا لمحاولة السفر..لكن بعد أن تعرّضنا للاحتيال من قبل مهرّب أخذ من كل شخص 2500 دولار، لم يمنعنَا أيّ شيء من المحاولات المتكرّرة للوصول إلى حلم أوروبا والخروج من الجحيم السوريّ، وهكذا عبرَ رحلة طويلة من اليونان إلى صربيا وصلنا إلى ألمانيا وتعرّضنا بالطريق كذلك لسرقة ونَصب من المهرّبين على الطريق.. وأمّا الآن تغيّرت وضعي بحياتي الحاليّة وأصحبت أفضل."
واستمرّت محاولة السوريّين الوصول إلى أوروبا بطرقٍ أُخرَى بعيداً عن خطورَة البحر، لكِن أيضاً بقيَت حالات الإحتيال الّتي غيّرت حياة الكثيرين نحوَ الأسوأ، ويروي علي ل"جُسور" أنّه حصلَ على فيزا روسيّة عن طريق مكتب وسيط كلّفتهُ 4 آلاف دولار في عام 2022 بعدَ بيع منزلِه وذهب زوجتِه، واتفق مع الأخير أنّه سيدفع باقي المبلغ" خمسة آلاف دولار" حينَ وصولهِ إلى ألمانيا، لكِن لم تجرِي الأمور كما كان مخططاً لها.
ويقول علي: "بما أنّي متزوّح وكنتُ موظفاً في الدولة بريف دمشق الجنوبيّ وراتبي لا يتجاوز ال20 دولار، قرّرتُ أن أغامر لكي أرسل بطلب عائلتي لاحقاً وأغيّر حياتنا نحو الأفضل، لكن حين وصولي لروسيا دخلتُ مع مجموعة من النّاس إلى بيلاروسيا وذلك عن طريق التهريب، و هناك حاولنا دخول بولندا عدّة مرّات لكن الشرطة كانت تحجزُنا لأيام وتعيدُنا..فَأعدنا الكَرّة ووصلنا أخيراً عبر المهرّب الذي تكفّل بوصولنا إلى ألمانيا وأخذ باقي المبلغ الخمسة آلاف، لكن للأسف احتالَ علينا وأوصلنا إلى ليتوانيا واعتقدنا أنّها ألمانيا! وهُناك أدخلتنا الشرطة اللّيتوانيّة إلى السجن لمدّة 6 شهور!"
وأكمل "وبعد خروجنا أعطتنا السُلطات الّليتوانيّة إقامات مؤقتّة، ثمّ عُدنا ودخلنا أخيراً لألمانيا ودفعنا 1500 دولار لمهرّب جديد، لكن المُشكلة أنّ الأخيرة رفضت لجوئنا لأن ليتوانيا أرسلت بطلب عودتنا! ومنذُ ذلكَ الوقت حتّى الآن نحن موجودين ببرلين بطريقة غير شرعيّة بانتظار الحلّ، فلا نريد العودة لسوريا "الأسد" ولا طبعاً إلى ليتوانيا، ونعمل حالياً بالسوق السوداء مُتوارين عن أنظار الشرطة الألمانيّة ومُنتظرين فرج الله".
احتيالٌ مُستمرّ على سوريّين حالمِين بـ"نعيمِ أوروبا"
في الفترة الأخيرة تكثُر حالات الاحتيال للسوريّين الرّاغبين بنعيمِ الغرب وأوروبا تحديداً، ويقول أبو عامر بأنه تعرّض لذلك عبرَ ما يسمّى "فيزا الطالب الأوكرانيّة"، وهي فيزا وهميّة يدفعها الرّاغب بالسفر لأوكرانيا بوضعها الحالي بالحرب وفقَ مبلغ حوالي 8000 يورو، مضيفاً أنّه حصلَ عليها من أحد السماسِرة في سوريا وسافرَ على أساس أنّه يدرس بإحدى الجامعات الأوكرانيّة وهناك يدخل إلى أوروبا بصفة لاجئ وهارب من الحرب الأوكرانيّة الروسيّة، لكن عند وصولِه تفاجئ بأنه يجب أن يتطوّع بمنظمات إنسانيّة للمتضرّرين من الحرب! وعصيَ أبو عامر بمنطقة قرب كييف وحاول الهرب عدّة مرّات إلّا أنّ الشرطة البولنديّة قبضت عليه بسبب أنّ البطاقة مزورّة، وعاد إلى أوكرانيا والآن يعيش منذُ سنة ونصف بظروف صعبة هناك ويرفُض العودة لسوريا حتّى بتلك الظروف حتّى يحصل شيء ما يجعله يصل للسويد مكان وجود أخيه.
أيضاً في روسيا كذلِك تعرّض محسن لحالة نصّب غريبة، حيثُ أنّه حصلَ على فيزا سياحة روسيّة كلّفته عشرة آلاف دولار، حصلَ عليها بعدَ بيع سيّارة والدهِ لكي يحسّن أوضاع أهله، لكن ولأنّه لم يدقّق على الأوراق التّي وقّعها قبل سفره لأنّ تعليمه مُتواضع كما يصِف، وقعَ في شُرك الاحتيال عندَ وصولِه لموسكو فاكتشفَ أنّ الأوراق التّي وقّعها هي للتطوّع في مليشيات مسلّحة تُقاتل مع الجيش الروسيّ بحرب أوكرانيا! وفعلاً أصبح مقاتلاً بسبب ذلك وما يزال يبحث عن فرصة للخروج من براثِن الحرب والعبور لأوروبا.
كذلِك حصلَ أمرٌ مشابِه مع إيلي "31 سنة" الذّي كان عسكرياً في الجيش السوريّ لمدّة 9 سنوات بالخدمة الإلزاميّة، وبعدَ تسريحهِ قرّر الذهاب عندَ أخيه في ألمانيا فحصلَ على فيزا سياحيّة إلى إيران، ويتابع : (في عام 2020 الفيزا على تركيّا أصبحت صعبة للسوريّين فتواصلتُ مع مهرّب نصحني بالدخول من إيران إلى تركيا ومن ثمّ إلى الطريق المعروف إلى أوروبا، وكلّفتني الفيزا 2500 يورو لكن عندَ وصولي للحدود الإيرانيّة التركيّة وأثناء ركضنا هناك مع بقيّة المجموعة معي قبضَت الشرطة الإيرانيّة عليّ أنا وشخص وسُجنت.. تعرّضت هناك للضَرب المُبرح ما أدّى لجراحٍ بالغة في جسدي..بعدَ ذلك رمتني قوّات الشرطة في قرية نائية على الحدود مع تركيّا! احتوتني عائلة إيرانيّة وضمّدت جراحي لكن الصدمة أنهم طلبوا منّي التواصل مع أهلي للحصول على فِديَة قدرها 10 آلاف دولار..لم نكن نملك ذلك المبلغ الكبير، فسُجنت بغرفة لأيام مع ترهيبٍ وتهديد بالقتل ففاوض أخي من ألمانيا مع أولئك لدفع مبلغ 4 آلاف..وهكذا عدتُ إلى سوريا خائباً ومن حينِها قرّرت عدم المغامرة مجدداً مع أنّ وضعي صعب وبدون عمل حالياً في الظروف الصعبة في بلدي".
ابتِزاز للنّساء الرّاغبات باللجّوء!
أيضاً تتعرّض النساء الرّاغبات بالخروج من سوريا إلى أوروبا، وذلكَ إمّا عبرَ طلب مبالغ كبيرة أو الإبتزاز، وتقول منى ل"جُسور" أنهّا كانت مقيمة في لبنان وعمِلت لمدّة سنوات ورغبت بالسفر إلى أوروبا، فأمنّت مبلغاً استدانتهُ من عائلتها وأصدقائها بالإضافة إلى بعض المال الّذي وفرّته من عملها، لكنّها خافَت من السفر عبر البحر فحصلت على عرض فيزا مدّتها ثلاثة أشهر "شينغن سياحيّة"من مكتب خاص ببيروت "يقدّمها للنساء السوريّات حصراً" لكنّها غالية وكلّفتها 16 ألف دولار! ورغَم أنها "نصبَة" كما تصفُها وتكلفتُها أقلّ من ذلك بكثير، وصلت إلى وجهتها والآن تعيشُ منذُ أشهر في أوروبا بانتظار استكمال أوراق إقامتها لكِي تعمل وتُعيد الديُون الكبيرة الّتي تُثقلُ كاهلهَا.
من جهةٍ ثانية تروِي لمى أنّها تعرّضت لموقفٍ صعبٍ لم تكن تتخّيله، حيثُ أنّها كانت تُقيم في تركياّ منذ سنوات برفقة زوجها وابنتها الصغيرة، وحصلوا على عرضٍ من أحد المهربّين كذلك خاص بالنساء حصراً للّجوء إلى أوروبا عبر اليونان..وفعلاً أمنّ زوجها المبلغ المطلوب وسافرت لليونان برفقة المهرّب، لكن عند وصولها برفقة مجموعة من النساء تفاجئت بأنّ الأخير ابتزّها لإقامة علاقة "غير شرعية" معها مقابل تسفيرها إلى أوروبا! فرفضت لمى وظلّت حبيسة في اليونان لأشهر، فعرضَ عليها المهرّب أن يتزوّجها مدنياً مقابل خروجها، ولأنّها في مكانٍ بعيد عن زوجها حادثتهُ وقالت لهُ ما حصل فغضِب الأخير لمجرّد طرح الموضوع عليه فقرّر تطليقها بعدَ مضيّ وقت منذُ خروجها..وعاشت لمى سنة كاملة في مخيّمات اللاجئين في اليونان"ذات الأوضاع الصعبة المعروفة" مع استمرار ابتزاز المهرّب نفسهُ لها، فرضخت للأمر الواقع وتزوّجته علّها تخرج من هناك..لكِن المأساة وفقَ ما قالت أنّ زوجها الجديد أجلسها في منزل بعيداً عن المخيّم لكن لم ينفّذ وعدهُ بالسفر إلى أوروبا وما زالت حبيسَة تلكَ الحياة الصعبة.
أخيراً تتعدّد قِصص السوريّين طالبِي اللّجوء الموعود إلى أوروبا وغيرها، خصوصاً ممّن يعيشون في سوريا بسبب الظروف المعيشيّة الصعبة أو اللّاجئين في بلاد الجوار مثل تركيّا ولبنان الّذين يعيشوا حياةً ليست أفضل بكثير من بلدهِم المُتهالِك..ويبقَى حُلم الوصول إلى "جنّة أوروبا الموعودَة" صعبَ المنال لغالبيّة الشعب الّذي ينهشهُ الفقر عاماً تلوَ الآخر..لكِن أليسَ من الأجدر من الأمم المتحدّة والاتحاد الأوروبي والقوى الإقليميّة والدوليّة المتحكمّة بالملفّ السوري العالِق حتّى إشعارٍ آخر، أن تعجّل بالحلّ السياسيّ ويُصبح الحُلم بناء سوريا بآمان "أمنيٍ ومعنويّ وماديّ" بأيدي أهلها بعيداً عن رغبة السوريّين بحياة أوروبا التّي ربّما "على أرض الواقع" ليست تلكَ الجنّة الموعودة المُنتظرة!