اخبار الإقليم والعالم
«جبل الفأس».. آخر حصون إيران النووية في مرمى تهديدات ترامب
بات مجمع "بيك آكس" الجبلي، المعروف باسم "جبل الفأس"، يمثل الحلقة الأحدث والأكثر حساسية في البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني، بعدما راهنت طهران على أن عمقه الجيولوجي وتحصيناته الهندسية سيجعلانه بمنأى عن أي هجوم أمريكي محتمل.
ويُنظر إلى الموقع باعتباره آخر ملاذ استراتيجي يمكن لإيران الاعتماد عليه للحفاظ على برنامجها النووي في حال تعرض المنشآت الأخرى للاستهداف، في وقت يواصل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيه تحذيرات متكررة لطهران من مواصلة الأنشطة النووية داخل هذا المجمع شديد التحصين.
وأكد أن بقاءه خارج دائرة الاستهداف يمنح إيران مزيداً من الوقت لتعزيز قدراتها وتقليص المسافة الفاصلة بينها وبين امتلاك السلاح النووي، بحسب صحيفة "نيويورك بوست" الأمريكية.
بالنسبة للقيادة الإيرانية يمثل "جبل الفأس" امتداداً لعقيدة تقوم على نقل أكثر الأنشطة النووية حساسية إلى أعماق الجبال، بهدف ضمان استمرار البرنامج حتى في ظل أي مواجهة عسكرية واسعة، وهو ما جعل الموقع يحظى بأولوية استثنائية ضمن خطط التطوير النووي الإيرانية خلال السنوات الأخيرة.
6 سنوات من البناء السري وتحصينات تتجاوز فوردو
لم يكن اختيار هذا الموقع عشوائياً، بل جاء نتيجة استراتيجية طويلة الأمد انتهجتها إيران لإخفاء منشآتها النووية وتعزيز قدرتها على الصمود أمام الضربات العسكرية. ففي عام 2020 أعلنت طهران أنها تعمل على إنشاء منشأة "أكثر حداثة واتساعاً".
وأكد رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك أن العمل يجري على مدار الساعة لنقل الأنشطة الحساسة إلى داخل الجبل، لتبدأ واحدة من أطول عمليات البناء السرية في تاريخ البرنامج النووي الإيراني.
وخلال ست سنوات من أعمال الحفر والإنشاء، واصلت إيران تطوير المجمع بعيداً عن أعين المفتشين الدوليين، وهي مدة تفوق الزمن الذي استغرقته في تشييد منشأتي فوردو ونطنز قبل الكشف عنهما، الأمر الذي يعكس حجم الأهمية التي توليها القيادة الإيرانية لهذا المشروع باعتباره ركيزة أساسية لاستمرار برنامجها النووي.
وتشير تقديرات مستندة إلى صور الأقمار الاصطناعية وتحليلات خبراء إلى أن "جبل الفأس" قد يتجاوز منشأة فوردو من حيث العمق والمساحة، بعدما كانت الأخيرة تُعد أكثر المواقع الإيرانية تحصيناً قبل تعرضها للاستهداف خلال عملية "ميدنايت هامر" العام الماضي.
ويرى مختصون أن المجمع الجديد يمتلك مساحة داخلية تسمح باستيعاب معظم الأنشطة النووية الحيوية، بدءا من تخزين اليورانيوم وتشغيل أجهزة الطرد المركزي، مروراً بعمليات التخصيب، وصولاً إلى المراحل المرتبطة بإنتاج الأسلحة النووية المحتملة، مستفيداً من التطور التقني الذي قلص حجم المعدات والزمن اللازم لإنجاز هذه العمليات.
خيارات واشنطن العسكرية.. اختراق التحصينات أو عزل المنشأة
ورغم أن "جبل الفأس" لم يكن ضمن أهداف عمليتي "مطرقة منتصف الليل" و"الغضب الملحمي"، فإن ذلك عزز الاعتقاد داخل إيران بأن الموقع يتمتع بحصانة استثنائية يصعب اختراقها. إلا أن خبراء عسكريين يرون أن التجربة الأمريكية السابقة أثبتت أن التحصينات العميقة ليست عصية على التدمير، خاصة مع تطور الذخائر الخارقة للتحصينات والتكتيكات المستخدمة في استهداف المنشآت المحصنة.
وتستند هذه الرؤية إلى استخدام قنابل قادرة على اختراق طبقات الصخور والخرسانة عبر صمامات تفجير متطورة تسمح لها بالنفاذ إلى أعماق المنشأة قبل الانفجار، مع توجيه الضربات نحو نقاط الضعف الإنشائية، مثل مداخل الأنفاق وفتحات التهوية، بما يزيد من فرص إحداث أضرار جسيمة في البنية الداخلية للمجمع.
في المقابل، لا يقتصر السيناريو العسكري المحتمل على محاولة اختراق الجبل مباشرة، بل يشمل أيضاً استخدام صواريخ "توماهوك" كروز منخفضة التحليق وذخائر دقيقة لضرب المنشأة من عدة اتجاهات في وقت واحد.
ويعتقد محللون أن منع الوصول إلى المنشأة قد يكون في بعض الحالات أكثر فاعلية من تدميرها بالكامل، وهو ما ظهر خلال عملية "مطرقة منتصف الليل"، عندما أدت الضربات الصاروخية إلى تدمير مداخل أنفاق التخزين في أصفهان، ما تسبب في احتجاز المواد المخزنة داخلها وحرمان إيران من الوصول إليها، وهو تكتيك يمكن توظيفه بصورة أكثر تعقيداً ضد "جبل الفأس" لإطالة أمد تعطيل المنشأة وتقويض فرص إعادة تشغيلها.
ما بعد الضربة.. الردع المستدام وكسر معادلة الحصانة
ولا تتوقف أهمية أي عملية عسكرية محتملة عند حدود إلحاق الضرر بالمنشأة، بل تمتد إلى المرحلة اللاحقة، حيث يرى خبراء أن نجاح الضربة يتطلب مراقبة استخباراتية مستمرة للموقع، بالتنسيق مع القدرات الإسرائيلية، لرصد أي محاولات إيرانية لإعادة التأهيل أو استئناف الأنشطة النووية داخله، مع إبقاء خيار توجيه ضربات إضافية مطروحاً إذا اقتضت الضرورة.
ويهدف هذا النهج إلى ترسيخ رسالة ردع مزدوجة؛ فمن جهة يؤكد للحلفاء التزام واشنطن بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ومن جهة أخرى يسعى إلى تقويض القناعة الإيرانية بأن المنشآت الجبلية المحصنة قادرة على توفير مظلة حماية دائمة للبرنامج النووي.
ويعتقد مؤيدو هذا الطرح أن ترامب سبق أن غيّر العديد من الحسابات الإيرانية بشأن حدود التحرك العسكري الأمريكي، وأن استهداف "جبل الفأس"، إذا تم، فقد يشكل نقطة تحول استراتيجية في مسار المواجهة.
وفي ظل الأهمية التي يمثلها المجمع بالنسبة لطهران، فإن أي هجوم ناجح عليه لن يقتصر أثره على تعطيل القدرات الفنية للبرنامج النووي، بل سيمتد إلى إضعاف الرهان الإيراني على التحصينات الجبلية باعتبارها ضمانة لاستمرار المشروع النووي.
وبينما تتزايد الضغوط والتهديدات، يبقى القرار النهائي رهناً بالموازنة بين الخيارات العسكرية والاعتبارات السياسية والدبلوماسية.