اخبار الإقليم والعالم
المخابرات المغربية وتحدي الإرهاب المتخفي
لم يعد الخطر المتطرف يظهر دائما في صورته التقليدية المعروفة، أي خلية مغلقة تعد عبوة أو تخطط لهجوم وشيك. أحيانا يبدأ المسار من مكان آخر أقل إثارة للانتباه، من السرقة والسطو، ومن تحصيل المال، ومن اختبار الحركة والتخفي داخل المجتمع.
وهذا ما كشفه إعلان المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بالمغرب، يوم 7 أبريل/نيسان 2026، عن تفكيك خلية إرهابية من ستة عناصر، كانت قد أوقفت فعليا خلال يومي 5 و6 أبريل/نيسان في القنيطرة والدار البيضاء ودار الكداري وسيدي الطيبي، بعد تورطها في سرقة مستودعات لتربية الماشية وتصريف المسروقات في أسواق محلية تحت غطاء ما يسمى “الفيء والاستحلال”.
أهمية القضية لا تكمن فقط في تفاصيلها الأمنية المباشرة، بل في الدرس الذي تقدمه بشأن تحور التهديد المتطرف في المنطقة، حين يختلط الإجرام اليومي بالعقيدة المتشددة، ويتحول السطو إلى مورد، وتصبح الجريمة نفسها جزءا من مشروع أخطر من الجريمة.
المعطيات التي أعلنتها المخابرات المغربية ترسم صورة واضحة لهذا النمط. فالأمر لا يقتصر على أفراد يحملون أفكارا متشددة ثم يرتكبون سرقات متفرقة، بل يشمل بنية عملية لها أهداف ووسائل وتحرك لوجستيكي. فقد أسفرت العملية عن حجز كتب ومخطوطات ذات طبيعة متطرفة، وأسلحة بيضاء، ومبالغ مالية يشتبه في كونها من متحصلات الأنشطة الإجرامية، فضلا عن قناع وقفاز وثلاث سيارات ودراجة نارية. كما تبين أن أفراد الخلية لم يكتفوا بتنفيذ السطو، بل انخرطوا أيضا في تصريف المسروقات داخل أسواق محلية، ما يعني أن التمويل لم يكن فعلا عشوائيا أو عرضيا، بل جزءا من دورة إجرامية كاملة.
"الفيء والاستحلال" ليس مصطلحا ملحقا بالقضية، بل هو ما يفسرها؛ عبر إعادة التأويل الهادف إلى تبرير الاستيلاء على الممتلكات
هنا بالضبط تتبدى الخطورة، لأن ما يبدو لأول وهلة مجرد جنوح جنائي محلي يخفي في العمق مسارا مختلفا، مسارا يبني المال والحركية والاختبار الميداني في وقت واحد. هذا النوع من القضايا يفرض مراجعة فهم شائع لكنه مضلل، وهو أن الإرهاب يبدأ حين يظهر السلاح أو حين تتكشف الخطة النهائية. الواقع أن الكثير من الخلايا الصغيرة لا تبدأ من هناك، بل من التمكين البطيء؛ من جمع المال، ومن تبرير الجريمة، ومن اعتياد المخاطرة، ومن تطوير أدوات الحركة داخل المجال الاجتماعي.
وتوضح الأدبيات الدولية الخاصة بتمويل الإرهاب أن الخلايا المحلية الصغيرة والفاعلين المنفردين يلجأون كثيرا إلى السرقة والسطو والاحتيال المحدود والجريمة الصغيرة لتوليد مبالغ تكفي لتمويل أنشطتهم، وأن التمويل الإرهابي لا يتعلق فقط بالأموال الكبيرة أو بالشبكات المالية العابرة للحدود، بل بكل أصل أو مورد يمكن أن يرفع أو يخزن أو يستخدم لأغراض إرهابية، سواء جاء من مصدر مشروع أو غير مشروع.
بهذه الزاوية يصبح ما جرى في المغرب نموذجا مكثفا لفهم جديد نسبيا للتهديد، حيث لم تعد الجريمة مجرد هامش منفصل عن الإرهاب، بل قد تكون مختبره الأول. أما “الفيء والاستحلال” فهو ليس مجرد مصطلح ملحق بالقضية، بل مفتاحها التفسيري الأهم. فهذه الذهنية تقوم على إعادة تأويل مفاهيم دينية خارج سياقاتها، ثم توظيفها لتبرير الاستيلاء على الممتلكات والأموال باعتبارها موردا “مباحا” لخدمة مشروع متطرف.
خطورة هذا التأويل لا تنحصر في إضفاء شرعية زائفة على السرقة، بل في تحويل الجريمة من فعل يسبب لصاحبه الشعور بالذنب إلى فعل يرى فيه نوعا من “الحق” أو “الإعداد”. حين يحدث ذلك، ينكسر الحاجز بين التطرف والإجرام، ويصبح الانتقال من السرقة إلى ما هو أخطر انتقالا أقصر نفسيا وعمليا. ومن هنا، فليست المسألة أن أفرادا متشددين احتاجوا إلى المال، بل إنهم وجدوا في هذا المنطق وسيلة لتطبيع الجريمة داخل وعيهم وتحويلها إلى جزء من مسارهم.
وما يزيد هذا النمط خطورة هو قدرته على التخفي الاجتماعي. فالعناصر التي تتحرك بين القرى والأسواق، وتستعمل مركبات عادية، وتعيد بيع المسروقات في فضاءات محلية مألوفة، لا تقدم نفسها بالضرورة كحاملي مشروع متطرف. بالعكس، قد تبدو مندمجة في الحركة اليومية العادية.
وهذا ما يجعلها أكثر خبثا من الصورة النمطية للخلية التي تنعزل وتعلن نفسها مبكرا. فبعض المنخرطين في مسارات التطرف والتمويل الذاتي يحتفظون بمظاهر حياة عادية، ويستفيدون من أعمال حرة أو موارد صغيرة أو أنشطة لا تثير الانتباه من أجل تغذية أنشطتهم أو إخفائها.
الخطر لم يعد يتحرك في خط واحد، بل عبر أشكال متعددة، منها الخلايا المرتبطة ببنيات خارجية، ومنها الخلايا الصغيرة، ومنها الأشكال التي تتخفى داخل المجتمع
وهنا يصبح الخطر مضاعفا، لأن المجتمع لا يرى دائما ما يختبئ داخل اعتيادية المشهد. السرقة لا تُقرأ باعتبارها مقدمة لشيء آخر، والتصرف في المسروقات يبدو جنوحا محليا لا أكثر، بينما تكون الخلية في الحقيقة تبني قدرتها وتختبر قابلية الحركة والاختفاء.
هذا ما يفسر القيمة الخاصة للاستباق الاستخباراتي في مثل هذه الملفات. فالتفوق هنا لا يقاس بعدد الاعتقالات فقط، بل بالقدرة على التقاط النمط قبل أن يبلغ مرحلته الصدامية النهائية. الخلية المغربية الأخيرة لم تُكتشف بعد تنفيذ هجوم أو بعد ظهور بيان دموي، بل وهي ما تزال في طور بناء المورد والحركة والاعتياد على العمل المنظم.
في السياقات التي تفشل فيها الأجهزة في التقاط هذه المرحلة المبكرة، لا يتضح الترابط بين الجريمة والتطرف إلا بعد أن يكون الانتقال إلى العنف قد وقع فعلا. لذلك، فإن العملية المغربية لا تُقرأ فقط كنجاح في تفكيك خلية، بل كنجاح في كسر السلسلة قبل اكتمالها، أي قبل أن يتحول التمويل الذاتي والتبرير الأيديولوجي والتخفي الاجتماعي إلى قدرة عملياتية أكثر خطورة.
وليس ما جرى في المغرب استثناءً معزولا. فقد وثقت تقارير أوروبية متخصصة ما يسمى “تقاطع الجريمة والإرهاب”، موضحة أن عددا من منفذي الهجمات أو المشاركين في التحضير لها في أوروبا مروا عبر السرقة والسطو والاحتيال والجرائم الصغيرة وبيع السلع المقلدة.
وذكرت هذه التقارير أن محمد مراح، وهو فرنسي من أصل جزائري، نفذ في مارس/آذار 2012 سلسلة هجمات مسلحة في تولوز ومونتوبان استهدفت عسكريين فرنسيين ومدرسة يهودية، وأدت إلى مقتل سبعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال، قبل أن يُقتل يوم 22 مارس/آذار 2012 خلال اقتحام الشرطة لشقته بعد حصار في تولوز.
كما أشارت إلى أن جزءا كبيرا من الأموال المستخدمة في بعض الهجمات أو في السفر إلى بؤر التوتر في أوروبا جرى توفيره من خلال السرقة والسطو وتجارة المخدرات والاحتيال وبيع السلع المقلدة. المقارنة هنا ليست لإلغاء الفوارق بين السياقات، بل لإبراز حقيقة واحدة. حين لا يُفهم هذا النمط مبكرا، يُترك ليتطور داخل هامش يبدو “جنائيا” فقط، قبل أن يكتشف الجميع متأخرين أنه كان إرهابا في طور التشكل.
والصورة نفسها تظهر على مستوى التنظيمات الكبرى. فتنظيم داعش استمر، في عدد من فروعه، في الاعتماد على الابتزاز والنهب والسطو للحصول على الموارد اللازمة للحفاظ على نشاطه، فيما وثقت تقارير دولية منذ سنوات اعتماد التنظيم على النهب والسرقة والابتزاز والسطو على الأصول الاقتصادية ضمن أهم مصادر تمويله.
صحيح أن هناك فارقا هائلا بين خلية صغيرة تعمل محليا وبين تنظيم عابر للحدود أو فرع جهوي لتنظيم عالمي، لكن القاعدة المشتركة بينهما تظل ذات دلالة عميقة. الجريمة ليست مجرد نشاط مواز للإرهاب، بل قد تكون أحيانا بنيته التحتية الأولى. وحين ينجح التطرف في تحويل السرقة من فعل نفعي إلى فعل “مستباح”، فإنه يكون قد أنجز أهم خطوة في تحويل الجريمة إلى ذراع من أذرعه.
أخطر ما في هذه الخلايا ليس حجمها ولا عدد أفرادها، بل قابليتها للتحول، وقدرتها على استثمار اليومي والمألوف والعادي لبناء ما هو غير عادي في العمق
في هذا السياق الأوسع تكتسب الحالة المغربية دلالة إضافية. فمؤشر الإرهاب العالمي 2026 وضع المغرب ضمن البلدان التي سجلت صفر نقطة، بما يجعله من الدول الأكثر تحصينا ضد الإرهاب وفق هذا التصنيف الدولي، في وقت يوجد فيه محيطه الإقليمي ضمن أكثر الفضاءات عرضة للتهديدات المتطرفة.
فالمغرب يوجد في محيط إقليمي شديد الاضطراب، فيما يواصل الحفاظ داخليا على مستوى مرتفع من الاستباق والضبط. وهذا ما يمنح مثل هذه العمليات معناها الحقيقي. فهي لا تدل فقط على وجود تهديد قائم، بل على وجود جهاز قادر على التقاط تحولاته قبل أن تفرض نفسها دمويا على المجتمع. فالقيمة ليست فقط في الرد بعد ظهور الخطر، بل في القدرة على ملامسته وهو يتشكل بهدوء داخل تفاصيل تبدو عادية أو محلية أو هامشية.
ولا يمكن فصل خلية “الفيء والاستحلال” عن التطورات التي كشفها المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني خلال الشهور الأخيرة. والأهم أن هذا النمط ليس جديدا تماما في التجربة المغربية، إذ سبق أن أظهرت معطيات رسمية منشورة أن المغرب فكك ست خلايا تنتمي إلى هذا التوجه القائم على استحلال الأنشطة غير المشروعة لتمويل مشاريع متطرفة. فالمغرب سبق أن أعلن أيضا عن خلايا مرتبطة بمشاريع أكثر اتساعا واتصالا بامتدادات خارجية، كما جرى التنبيه إلى تنامي أنماط جديدة من الاستقطاب، من بينها التجنيد العائلي.
هذا التراكم يكشف أن الخطر لم يعد يتحرك في خط واحد، بل عبر أشكال متعددة، منها الخلايا المرتبطة ببنيات خارجية، ومنها الخلايا الصغيرة التي تبني مواردها محليا، ومنها الأشكال التي تتخفى داخل المجتمع وتراكم خبرتها عبر الجريمة الصغيرة. وخلال هذا المشهد المتحول، تبدو خلية السرقة والسطو الأخيرة حلقة دالة لا استثناءً غريبا.
لهذا، فإن الدرس الأوسع الذي يقدمه هذا الملف يتجاوز المغرب نفسه. فالمنطقة العربية كلها معنية بفهم هذا التحول. فالجماعات المتشددة، أو الخلايا الصغيرة المتأثرة بها، لم تعد تحتاج دائما إلى هياكل ثقيلة أو تمويل خارجي ظاهر أو بنية تنظيمية واسعة لكي تشكل خطرا. يكفي أحيانا تبرير أيديولوجي منحرف، وبيئة اجتماعية لا تنتبه إلى التحول، وبعض الجرائم التي تبدو محدودة ومحلية، حتى تتكون نواة صلبة لتهديد آخذ في التبلور.
ولذلك فإن أخطر ما في هذه الخلايا ليس حجمها ولا عدد أفرادها، بل قابليتها للتحول، وقدرتها على استثمار اليومي والمألوف والعادي لبناء ما هو غير عادي في العمق. من هنا تكتسب العملية المغربية أهميتها الحقيقية. لقد لمست الخطر وهو لا يزال يختبر أدواته الأولى، وقبل أن يتمكن من فرض نفسه في صورته الأكثر تدميرا.