تقارير وحوارات
صحيفة: اليمن في قلب التصعيد الإقليمي: اقتصاد هش يواجه صدمات مركّبة
لم يعد اليمن يقف على هامش الصراع الإقليمي، بل يتقدم تدريجيّا إلى قلبه، حاملا معه اقتصادا هشا بالكاد يصمد أمام أزماته الداخلية. فمع انخراط جماعة الحوثي في التصعيد الدائر دعما لإيران، تتجاوز تداعيات الحرب حدود الجغرافيا والسياسة، لتضرب في عمق معيشة اليمنيين، وتعيد تشكيل موقع البلاد ضمن معادلة إقليمية معقدة.
في هذا السياق لا تبدو المخاطر اقتصادية عابرة، بل صدمات مركّبة تتقاطع فيها اضطرابات الملاحة الدولية مع هشاشة البنية الاقتصادية، وانكشاف الدولة على الدعم الخارجي، ما يجعل اليمن من أكثر الساحات عرضة لدفع كلفة تصعيد لا يملك التحكم في مساراته.
في بلد يرزح منذ سنوات تحت وطأة الحرب والانقسام، لم يكن ينقص اليمن سوى الانخراط في صراع إقليمي مفتوح، حتى تتضاعف أزماته الاقتصادية والمعيشية. فقد أثار إعلان جماعة الحوثي تنفيذ هجوم على إسرائيل، في سياق دعمها لإيران، مخاوف واسعة من تداعيات قد تكون الأشد منذ اندلاع الحرب الداخلية، ليس فقط على مستوى الأمن، بل أيضا على صعيد الاقتصاد الهش أصلاً.
ويمثل هذا التطور تحوّلاً نوعيا في موقع اليمن ضمن خارطة الصراعات، إذ لم يعد مجرد ساحة نزاع داخلي، بل بات جزءاً من شبكة أوسع من التوترات الإقليمية، ما يعرّضه لارتدادات اقتصادية تتجاوز قدرته على التحمل.
الصدمة الاقتصادية
تداعيات سريعة، ويُتوقع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، خصوصا الغذاء والوقود، نتيجة زيادة تكاليف النقل والتأمين
يرى مراقبون أن دخول الحوثيين على خط المواجهة الإقليمية يهدف إلى توسيع نطاق الضغط على خصوم إيران، عبر تهديد الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يمر عبره جزء مهم من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وفي هذا السياق يقول ماجد المذحجي، رئيس مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، إن الهجوم الحوثي يمثل “إعلان دخول رسمي في الصراع”، يهدف إلى تشتيت القدرات الدفاعية ورفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن الأثر لا يتوقف عند البعد العسكري، إذ إن أي اضطراب في الملاحة البحرية ينعكس فوراً على كلفة الشحن والتأمين، وهو ما يمثل ضربة مباشرة لاقتصاد يعتمد على الاستيراد لتغطية أكثر من 80 في المئة من احتياجاته.
على المدى القريب تبدو التداعيات سريعة ومباشرة، إذ يُتوقع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، خصوصاً الغذاء والوقود، نتيجة زيادة تكاليف النقل والتأمين، فضلاً عن احتمالات تعطل الإمدادات.
ويحذر الباحث الاقتصادي وفيق صالح من أن دخول الحوثيين في الحرب “يعني أن الوضع الاقتصادي في اليمن مقبل على أزمات جديدة في سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة”، مشيراً إلى أن الأسعار ستكون أول المؤشرات على هذا التدهور.
كما يُرجح أن يتعرض الريال اليمني للمزيد من التراجع، في ظل تنامي الطلب على العملات الأجنبية، وتراجع الثقة بالسوق، ما يفاقم معدلات التضخم ويؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
تآكل النشاط الاقتصادي
دخول الحوثيين على خط المواجهة يهدف إلى توسيع نطاق الضغط على خصوم إيران، عبر تهديد الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها البحر الأحمر ومضيق باب المندب
إذا استمر التصعيد، فإن الاقتصاد اليمني قد يدخل مرحلة أكثر تعقيدا، تتسم بتراجع النشاط التجاري وتقلص دور القطاع الخاص، الذي يعاني أصلاً من بيئة تشغيلية صعبة.
فارتفاع تكاليف الاستيراد قد يدفع العديد من التجار إلى تقليص حجم أعمالهم، بينما قد تضطر شركات أخرى إلى الإغلاق، في ظل ضعف الطلب وتزايد المخاطر.
كما أن التحويلات المالية من المغتربين، التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، قد تتأثر سلباً في حال اتساع رقعة التوتر الإقليمي، ما يزيد الضغط على ميزان المدفوعات.
وفي ظل الانقسام النقدي بين مناطق الحكومة والحوثيين، مرشح أن تتعمق الفجوات الاقتصادية، مع استمرار تعدد أسعار الصرف وتباين السياسات المالية.
أما على المدى البعيد، فإن الخطر الأكبر يتمثل في ترسيخ اقتصاد الحرب، حيث تصبح الأنشطة غير الرسمية، مثل التهريب والأسواق السوداء، أكثر حضوراً من الاقتصاد المنظم.
وفي مثل هذا السيناريو تتراجع فرص التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، بينما تتكرس حالة الاعتماد على المساعدات الخارجية، في ظل غياب الاستقرار السياسي والأمني.
كما أن استمرار التوتر في الممرات البحرية قد يؤدي إلى تغييرات دائمة في مسارات التجارة العالمية، ما يحرم اليمن من الاستفادة من موقعه الجغرافي الإستراتيجي، ويحوّله من نقطة عبور مهمة إلى منطقة مخاطرة عالية.
السعودية أمام كلفة متصاعدة
لا تتوقف تداعيات هذا التصعيد عند حدود اليمن، بل تمتد لتطال المملكة العربية السعودية، التي تضطلع بدور رئيسي في دعم الاستقرار الاقتصادي في مناطق الحكومة المعترف بها دوليّا.
فخلال السنوات الماضية قدمت الرياض دعما ماليا مباشرا، شمل تمويل رواتب القطاع العام، وتقديم منح لتسيير عمل المؤسسات الحكومية، إضافة إلى ودائع في البنك المركزي ساهمت في الحد من تدهور العملة وتحسين استقرار الأسعار.
ومع تصاعد التوترات يُتوقع أن تتزايد الضغوط على السعودية لمواصلة هذا الدعم، وربما توسيعه، للحيلولة دون انهيار اقتصادي كامل، خاصة في ظل محدودية الموارد المحلية وتراجع الإيرادات.
غير أن هذا الدور يضع الرياض أمام معادلة دقيقة، إذ تسعى من جهة إلى تثبيت الاستقرار ودعم مسار الانتقال السياسي، ومن جهة أخرى تتحمل كلفة مالية متزايدة نتيجة تصعيد إقليمي لا تتحكم في جميع مساراته.
كما أن أي تهديد للملاحة في البحر الأحمر ينعكس مباشرة على المصالح الاقتصادية السعودية، ما يجعل استقرار اليمن جزءا لا يتجزأ من أمنها الإستراتيجي.
تأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه اليمن من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع ارتفاع معدلات الفقر إلى نحو 80 في المئة، والبطالة إلى أكثر من 35 في المئة.
وقد حذرت الحكومة اليمنية من أن انخراط الحوثيين في الصراع سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع، عبر اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، ما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية.
كما أن تراجع قدرة المؤسسات الحكومية على تقديم الخدمات، في ظل الضغوط المالية، قد يزيد من معاناة السكان، ويدفع بمزيد من الأسر إلى حافة الفقر المدقع.
بينما تتحرك القوى الكبرى وفق حسابات النفوذ والردع، يظل اليمن الحلقة الأضعف التي تستقبل الصدمات وتدفع أثمانها مضاعفة
من أزمة داخلية إلى عقدة إقليمية
لم يعد الاقتصاد اليمني يواجه تحدياته الداخلية فقط، بل أصبح عرضة مباشرة لتقلبات الصراع الإقليمي، بما يحمله من مخاطر مركّبة.
فبينما تسعى بعض الأطراف إلى تحقيق مكاسب إستراتيجية عبر توسيع نطاق المواجهة، يبدو اليمن الحلقة الأضعف التي تتحمل الكلفة الأكبر، اقتصاديّا وإنسانيّا.
وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، واستمرار الانقسام، يبقى السؤال المطروح: هل يستطيع اليمن تجنب الانزلاق نحو مرحلة أكثر حدة من الانهيار، أم أنه يتجه ليكون ساحة مفتوحة لصراعات تتجاوز حدوده، وتعيد تشكيل مستقبله لسنوات طويلة قادمة؟
في المحصلة، لا يقف اليمن اليوم أمام أزمة اقتصادية جديدة فحسب، بل أمام اختبار وجودي يتداخل فيه المحلي بالإقليمي، والاقتصادي بالسياسي. فكل تصعيد في محيطه يترجم سريعا إلى تدهور في معيشة سكانه، وكل تعقيد في المشهد الإقليمي يضيف عبئا جديدا على اقتصاد أنهكته الحرب والانقسام.
وبينما تتحرك القوى الكبرى وفق حسابات النفوذ والردع، يظل اليمن الحلقة الأضعف التي تستقبل الصدمات وتدفع أثمانها مضاعفة. وفي غياب أفق سياسي واضح لا يبدو أن البلاد تقترب من التعافي بقدر ما تنزلق نحو مرحلة أكثر تعقيدا، حيث يصبح احتواء الانهيار هدفا بحد ذاته، بدلاً من استعادة الاستقرار.