اخبار الإقليم والعالم
تداعيات تصنيف الإخوان على البرهان وجيش السودان
لا تتوقف تداعيات قرار تصنيف جماعة الإخوان في السودان كمنظمة إرهابية عند الإجراءات القانونية، بل تشكل تحولا استراتيجيا عميقا يعيد رسم ملامح السلطة ويضع عبد الفتاح البرهان قائد الجيش أمام اختبار سياسي غير مسبوق، يتجاوز الضغوط الخارجية إلى جوهر شرعيته وموقعه
فالقرار الأمريكي، لا يستهدف فقط بنية تنظيمية بعينها، بل يطال شبكة نفوذ ممتدة داخل الدولة السودانية تشكلت على مدى 3 عقود من حكم الإسلاميين، والتي تغلغلت في مفاصل الدولة كافة، بما فيها المؤسسة العسكرية.
وهنا تتجلى الإشكالية الكبرى، إذ يجد البرهان نفسه فجأة في قلب معادلة دولية جديدة تعيد تعريف «من هو الشريك المقبول» في السودان.
سمعة دولية تتآكل
ويشير تقرير «ذا جينيفا تايمز» إلى أن هذا القرار يضع البرهان في موقع أضعف على الساحة الدولية، خاصة في ظل علاقاته التاريخية مع التيار الإسلامي داخل الدولة. فالرواية التي سعى إلى ترسيخها باعتباره قائدًا لجيش وطني يحارب «الميليشيات» تواجه الآن تحديًا مباشرًا، مع إدراج أحد أبرز المكونات المرتبطة بالمشهد الذي يتحرك فيه ضمن قوائم الإرهاب.
هذا التحول لا يهدد صورته فحسب، بل يقوض قدرته على المناورة السياسية، ويعقّد محاولاته تقديم نفسه كشريك موثوق في أي مسار سياسي أو أمني، خصوصًا في ظل تصاعد الحساسية الدولية تجاه أي ارتباطات بتنظيمات مصنفة.
ووفق تقرير الموقع، فإن إدراج الجماعة ضمن قوائم العقوبات الأمريكية سيؤدي إلى تجميد أصولها وقطع قنوات تمويلها وتعقيد شبكاتها اللوجستية والدبلوماسية، وهي شبكات شكّلت جزءًا من قاعدة القوة التي اعتمد عليها البرهان منذ انقلاب أكتوبر 2021 وخلال الحرب الحالية.
هذا التطور يضع البرهان أمام معضلة مركبة، إذ لا يقتصر تأثير القرار على إضعاف خصوم سياسيين، بل يمتد ليطال توازنات معسكره نفسه، ما يهدد بتقويض أحد أعمدة نفوذه الداخلي. كما أن التصنيف يضرب بشكل مباشر محاولاته تقديم نفسه كشريك دولي موثوق، إذ إن أي تقاطع — حتى غير مباشر — مع شبكات مصنفة إرهابية كفيل بتآكل شرعيته الخارجية وتعقيد علاقاته مع العواصم الغربية.
في المقابل، يشير التقرير إلى أن أي محاولة من البرهان للاستجابة للضغوط الدولية عبر إبعاد العناصر المرتبطة بالحركة الإسلامية قد تفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، تشمل انقسامات داخل الجيش أو تمردات من التشكيلات المسلحة الحليفة، خاصة أن هذه القوى تمثل جزءًا من التحالف العسكري القائم وتمتلك نفوذًا فعليًا داخل هياكل الدولة. وهو ما يجعل خيار «فك الارتباط» محفوفًا بمخاطر قد تهدد تماسك معسكره في لحظة شديدة الحساسية.
ولا يستبعد التقرير وجود ترتيبات خلف الكواليس يسعى من خلالها البرهان إلى تخفيف تداعيات التصنيف، سواء عبر الحصول على ضمانات سياسية أو محاولة تحييد المؤسسة العسكرية من العقوبات، في ظل إدراك متزايد بأن الضغوط الدولية لم تعد تستهدف جماعة بعينها، بل تمس موقعه شخصيًا ومستقبله السياسي.
وفي سياق أوسع، يربط التقرير هذا التصنيف بالمواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، ما يضع السودان ضمن مسرح إقليمي أكبر تتقاطع فيه الحسابات الدولية، ويزيد من تعقيد موقع البرهان ويحد من هامش المناورة لديه. وبذلك، يتحول القرار من مجرد إجراء قانوني إلى عامل يعيد رسم ملامح التوازنات داخل السودان، ويضع قيادة الجيش أمام اختبار حاسم بين إعادة التموضع أو مواجهة تداعيات قد تكون أكثر كلفة وتعقيدًا.
الجيش في دائرة التأثير
وفي هذا السياق، تقدم الخبيرة في الشأن السوداني أسماء الحسيني قراءة حادة ومباشرة لتداعيات القرار، مؤكدة أن داعيات تصنيف الإخوان المسلمين أو الحركة الإسلامية في السودان كتنظيم إرهابي «ستنعكس على الجيش نفسه»، ولن يقتصر تأثيره على الجماعة وحدها.
وترى الحسيني أن هذا القرار «قد يعيد رسم ملامح السلطة والتوازنات»، وأن البرهان بصفته قائدًا للجيش سيواجه تداعيات كبيرة، كما أن المؤسسة العسكرية نفسها ستواجه تبعات مباشرة، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الاقتصادي.
وتشدد على أن الجيش السوداني بات أمام «مسؤولية وعبء كبيرين» لمواجهة هذه التداعيات، خاصة في ظل التحديات الداخلية، إذ إن أي محاولة لاتخاذ مسافة من الإسلاميين قد تقابل بردود فعل داخلية من هذه القوى، التي تمتلك حضورًا ممتدًا داخل الدولة.
وفي الوقت نفسه، تشير إلى أن الضغوط الخارجية «ستتزايد بشكل كبير»، لا سيما في ظل ترحيب أطراف دولية وإقليمية بالتصنيف، ما يعني أن تأثيره لن يكون أمريكيًا فقط، بل سيتوسع ليشمل أطرافًا متعددة، بما يضاعف كلفته على الدولة السودانية.
إرث التمكين.. معضلة التفكيك المستحيل
وتلفت الحسيني إلى أن المشكلة الأعمق تكمن في إرث الثلاثين عامًا من حكم الإسلاميين، الذين «تمكنوا بشكل كبير جدًا في كل أجهزة الدولة»، ما يجعل أي محاولة للفصل بين الجيش وهذه الشبكات «عملية صعبة للغاية وتحتاج إلى جهد كبير».
وتوضح أن هذا التغلغل لا يقتصر على العناصر الظاهرة، بل يشمل أيضًا شبكات خفية، ما يجعل عملية «الفرز» معقدة للغاية، وقد تقود إلى صدامات مع مليشيات أو مجموعات مرتبطة بالحركة الإسلامية.
كما تحذر من أن بعض الإسلاميين قد يلجأون إلى إعادة إنتاج أنفسهم عبر كيانات جديدة، أو التماهي مع الجيش عبر خطاب «نحن مع الجيش»، في محاولة لتفادي العقوبات والاستمرار في المشهد، وهو ما يزيد من تعقيد المواجهة.
جيش تحيط به المليشيات
في موازاة ذلك، يشير الخبير في الشأن السوداني عثمان ميرغني إلى أن الأزمة تتفاقم بسبب وجود مجموعات مسلحة متعددة تقاتل إلى جانب الجيش، من بينها الحركات الدارفورية، وقوات درع السودان، وتشكيلات «المقاومة الشعبية»، إضافة إلى عناصر ذات خلفيات إسلامية مثل «فيلق البراء».
هذه التشكيلات، رغم أنها ليست جزءًا رسميًا من المؤسسة العسكرية، فإن وجودها في ساحة المعركة يعزز الانطباع بوجود تقاطعات ميدانية وسياسية مع شبكات الإسلام السياسي، وهو ما يضع الجيش — ولو بشكل غير مباشر — في دائرة تداعيات التصنيف.
ويصف ميرغني هذا الوضع بأنه «قنبلة موقوتة»، محذرًا من أن مرحلة ما بعد الحرب ستشهد تحديات كبيرة في تفكيك هذه التشكيلات أو دمجها، مع احتمالات حقيقية لرفض بعض الأطراف أو الدخول في مواجهات.
فك الارتباط.. طريق محفوف بالصدام
تتفق قراءتا الحسيني وميرغني على أن فك الارتباط بين الجيش وشبكات الإسلام السياسي ليس خيارًا بسيطًا، بل مسار معقد ومحفوف بالمخاطر.
فالحسيني تؤكد أن هذه العملية قد تؤدي إلى «صدام بين الجيش والمليشيات أو الشبكات الإسلامية»، في ظل وجود قوى مسلحة ذات امتدادات داخل الدولة.
في حين يشير ميرغني إلى أن أي إعادة تنظيم لهذه العلاقة، سواء عبر الدمج أو التسريح، ستواجه تحديات كبيرة، خاصة في ظل غياب بيئة سياسية مستقرة، ما قد يفتح الباب أمام سيناريوهات الانفلات أو إعادة إنتاج النزاع.
البرهان.. الأزمة في القيادة
ويتقاطع تحليل الخبراء عند نقطة جوهرية هي أن الأزمة لم تعد فقط في بنية الدولة أو الجيش، بل في طبيعة القيادة الحالية.
فجمع البرهان بين الدورين السياسي والعسكري أدى إلى إقحام المؤسسة العسكرية في صراعات سياسية، وتحميلها تبعات علاقات معقدة مع التيار الإسلامي، وهو ما ينعكس الآن في صورة ضغوط دولية متزايدة.
وترى الحسيني أن قيادة الجيش تواجه «مأزقًا كبيرًا للغاية»، في ظل تداعيات الحرب والتصنيف، مؤكدة أن استمرار هذا الوضع دون مراجعة قد يقود إلى نتائج كارثية تهدد وحدة السودان واستقراره.
مفترق طرق حاسم
في النهاية، لا يبدو أن تصنيف الإخوان مجرد خطوة قانونية، بل لحظة إعادة تشكيل شاملة للمشهد السوداني.
وبين ضغوط دولية متصاعدة، وشبكات داخلية متجذرة، ومليشيات مسلحة على الأرض، يقف البرهان أمام مفترق طرق حاسم، وهو إما إعادة التموضع وفصل الدولة عن هذه الشبكات، أو مواجهة مسار تصاعدي من العزلة والتفكك قد يعيد تشكيل مستقبله السياسي — وربما مستقبل السودان نفسه.