اخبار الإقليم والعالم
مكاسب النفط تدعم قدرة الجزائر في مواجهة تحديات الإنفاق
حصلت الجزائر على دعم جديد مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط، في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ما أعاد إلى الأذهان المكاسب التي حققتها البلاد عقب اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية قبل أربع سنوات.
وتعتمد الجزائر، وهي عضو في منظمة أوبك وكارتل أوبك+، بشكل كبير على إيرادات الوقود الأحفوري لتمويل ميزانيتها وبرامج الدعم الاجتماعي.
ولكن انهيار أسعار النفط في عام 2014 وضع المالية العامة تحت ضغوط متزايدة، وجعل الحكومة تواجه صعوبات في تمويل الإنفاق العام، ما اضطرها للسحب من الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي.
محفوظ كاوبي: المكاسب التي سوف تحققها الجزائر من ارتفاع أسعار النفط قد تتآكل في حال ارتفعت تكاليف الواردات
وتتوقع السلطات أن يرتفع الإنفاق في ميزانية العام الجاري إلى نحو 7.69 تريليون دينار (58.5 مليار دولار)، بزيادة تقارب 5 في المئة مقارنة بعام 2025.
ولتغطية هذا الإنفاق، لجأت الحكومة إلى أدوات تمويل جديدة، من بينها إصدار أول صكوك سيادية إسلامية محلية، إلى جانب السعي للحصول على تمويل من البنك الأفريقي للتنمية لدعم مشاريع البنية التحتية.
في المقابل، قد يساهم ارتفاع أسعار النفط في تخفيف هذه الضغوط، بعدما تجاوز سعر الخام مستوى 100 دولار للبرميل في التاسع من مارس للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، مدفوعًا بالمخاوف من تعطل الإمدادات بسبب النزاعات في الشرق الأوسط.
ورغم تذبذب الأسعار منذ ذلك الحين، فإنها ما تزال مرتفعة بأكثر من 50 في المئة مقارنة بالفترات السابقة، الأمر الذي يمنح الدول المنتجة البعيدة عن منطقة التوتر فرصة لمراكمة المزيد من الدولارات في خزائنها.
وتبني الجزائر ميزانيتها على سعر مرجعي للنفط يبلغ نحو 70 دولارًا للبرميل. وفي هذا السياق، قال وزير الطاقة والمناجم محمد عرقاب إن أي "سعر يتراوح بين 70 و80 دولارًا للبرميل يُعد مستوى متوازنًا بالنسبة للاقتصاد."
ويرى محللون أن ارتفاع الأسعار يمثل فرصة مهمة لدعم المالية العامة، خاصة وأن البلد يعتمد بشكل مفرط على عوائد تجارة النفط والغاز بالرغم من محاولات التنويع التي تسير ببطء.
وقال المحلل الاقتصادي المستقل محفوظ كاوبي لوكالة بلومبيرغ إن "ارتفاع أسعار النفط يمثل عاملًا إيجابيًا للبلاد التي كانت تواجه تحديات حقيقية في تمويل ميزانيتها."
وأضاف إن "الجزائر قد تتمكن من تحقيق توازن في ميزانيتها إذا اقتربت الأسعار من نطاق يتراوح بين 120 و125 دولارًا للبرميل. وتنتج البلاد حاليًا نحو 977 ألف برميل يوميًا."
مليار دولار الإنفاق المتوقع للحكومة في ميزانية هذا العام بزيادة قدرها حوالي 5 في المئة على أساس سنوي
ويذهب أكثر من 40 في المئة من الإنفاق المخطط له هذا العام إلى بنود اجتماعية، تشمل رواتب موظفي الدولة والمعاشات وإعانات البطالة، إضافة إلى دعم السلع الأساسية مثل الحبوب والوقود والحليب والمياه المحلاة.
وترى الحكومة في كل هذه العناصر على أنها ضرورية من أجل الحفاظ على السلم الاجتماعي، في بلد يضم أكثر من 47.8 مليون نسمة.
وكانت الجزائر قد استفادت في عام 2022 من أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، عندما توجهت الدول الأوروبية إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة، ما عزز الطلب على الغاز الجزائري وساهم في تحسن المؤشرات الخارجية للبلاد.
كما ساعدت تلك الظروف على ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية وتحقيق فوائض تجارية. غير أن هذا التحسن لم يدم طويلًا، إذ تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي إلى نحو 47.1 مليار دولار في أكتوبر بعد أن تجاوزت 66 مليار دولار في بداية عام 2025.
هاميش كينير: تأثير ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بحرب الشرق الأوسط، لا يشكل حلًا جذريًا لحاجة الجزائر إلى التنويع
ويتوقع صندوق النقد الدولي، أن تصل هذه الاحتياطيات النقدية إلى مستويات حرجة خلال الفترة الحالية، في حين يرى محللون أن المكاسب الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة قد توفر دعمًا مؤقتًا فقط.
وقال هاميش كينير محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى شركة غلوبال ريسك إنساي إن "تأثير ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالتوترات في المنطقة، سواء كان قصير الأمد أو طويل الأمد، لا يشكل حلًا جذريًا لحاجة الجزائر إلى تنويع اقتصادها."
وتحتل الجزائر المرتبة الخامسة عشرة من بين 193 دولة في مؤشر الاعتماد على صادرات الوقود الأحفوري، وهو مؤشر يقيس مدى اعتماد الاقتصادات على عائدات الطاقة.
وبينما يخفف ارتفاع أسعار النفط بعض الضغوط المالية، يحذر خبراء من مخاطر أخرى مرتبطة بالتضخم العالمي.
وتستورد الجزائر سنويًا ما يقارب 50 مليار دولار من السلع، تشمل المواد الغذائية والحبوب والمركبات والآلات، وهو ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية.
ولذلك، يحذر كاوبي من أن المكاسب التي تحققها الجزائر من ارتفاع أسعار النفط قد تتآكل إذا ارتفعت تكاليف الواردات، قائلًا إن "ما تكسبه البلاد من جهة قد تخسره من جهة أخرى إذا ارتفعت الأسعار العالمية، وهو ما قد ينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد."