مصر تعيد بناء أمن الطاقة.. هل تستعيد موقعها الغازي؟

وكالة أنباء حضرموت

لم تعد قضية الطاقة في مصر مرتبطة فقط بتوفير احتياجات السوق المحلية، وإنما أصبحت جزءاً من حسابات الأمن القومي والقدرة على الصمود أمام اضطرابات سوق الطاقة العالمية. وفي هذا السياق، جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بتسريع برامج زيادة إنتاج النفط والغاز، وتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي من المنتجات البترولية، وتحويل مستهدفات قطاع البترول إلى برامج تنفيذية ومؤشرات قابلة للقياس.

وتكتسب هذه التوجهات أهمية إضافية في ظل اضطراب طرق الطاقة والملاحة في المنطقة، خصوصاً أزمة مضيق هرمز، وما تفرضه من ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين ومخاطر على إمدادات النفط والغاز.

بالنسبة إلى القاهرة، كشفت الأزمة أن أمن الطاقة لا يمكن أن يعتمد فقط على القدرة على شراء الوقود من الخارج، وإنما يحتاج إلى قاعدة إنتاج محلية ومخزونات استراتيجية وقدرات تكرير وشبكة متنوعة من مصادر الإمداد.

التحرك المصري الحالي يقوم على إعادة تنشيط الحلقة الأولى في منظومة الطاقة: البحث والاستكشاف والإنتاج.

فوزارة البترول أعلنت أن زيادة أنشطة الاستكشاف والإنتاج بنحو 20% خلال العام الجاري، إلى جانب خطط تسريع حفر الآبار وتنمية الحقول، تمثل محوراً أساسياً لاستعادة معدلات الإنتاج. كما تستعد محطة غاز مليحة في الصحراء الغربية لدخول الخدمة بطاقة تصل إلى 100 مليون قدم مكعب يومياً، بما يساعد على تقليل الاحتياجات من الغاز المستورد.

وتراهن القاهرة كذلك على إعادة بناء ثقة شركات الطاقة العالمية. فقد أعلنت وزارة البترول أن سداد مستحقات الشركاء الأجانب شكّل نقطة تحول في زيادة الاستثمارات، مشيرة إلى تنفيذ 149 بئراً استكشافية أسفرت عن 112 كشفاً جديداً خلال عامين، مع الاستعداد لتوقيع 13 اتفاقية جديدة باستثمارات تتجاوز مليار دولار.

وهذا عنصر حاسم؛ لأن زيادة الإنتاج لا يمكن أن تتحقق بقرارات حكومية وحدها. مصر تحتاج إلى شركات عالمية تضخ رأس المال والتكنولوجيا والخبرة، خصوصاً في المناطق البحرية العميقة التي تتطلب استثمارات كبيرة وفترات طويلة قبل تحقيق العائد.

ويظل حقل ظهر أحد مفاتيح المعادلة المصرية. فقد كان الحقل أحد أهم أسباب انتقال مصر من مستورد للغاز إلى دولة لديها فائض قابل للتصدير، قبل أن يؤدي تراجع الإنتاج وارتفاع الطلب المحلي إلى عودة الحاجة إلى الاستيراد.

ولهذا تعمل وزارة البترول على تعظيم الاستفادة من موارد الحقل، باستخدام تقنيات مسح سيزمي متقدمة لتحسين تحديد الموارد الموجودة في المياه العميقة، بما يمكن أن يدعم قرارات استثمارية جديدة.

لكن الرهان المصري لا يمكن أن يبنى على ظهر وحده. فالتجربة أظهرت أن الاعتماد على حقل عملاق واحد يجعل منظومة الطاقة أكثر عرضة للتقلبات. لذلك تسعى القاهرة إلى توسيع قاعدة الاكتشافات وتوزيع الإنتاج بين مناطق متعددة، بما يقلل مخاطر انخفاض إنتاج حقل بعينه.

وهنا تكمن أهمية الصحراء الغربية والبحر المتوسط ودلتا النيل ومناطق الاستكشاف الجديدة.

لا تتوقف الخطة عند استخراج النفط والغاز. فالقاهرة تريد أيضاً زيادة قدرتها على تحويل الخامات إلى منتجات بترولية محلياً، وتقليل الحاجة إلى استيراد الوقود الجاهز.

أمن الطاقة لا يمكن أن يعتمد فقط على القدرة على شراء الوقود من الخارج، وإنما يحتاج إلى قاعدة إنتاج محلية ومخزونات استراتيجية

وتخطط مصر لتنفيذ ستة مشروعات لتطوير معامل التكرير باستثمارات تتجاوز 4 مليارات دولار، بهدف زيادة الإنتاج وتعظيم القيمة المضافة وخفض فاتورة استيراد الوقود.

وهذا التحول مهم اقتصادياً؛ لأن استيراد النفط الخام أو الغاز شيء، واستيراد البنزين والسولار والمنتجات المكررة شيء آخر. فكلما ارتفعت قدرة مصر على التكرير، أصبحت أقل تعرضاً لتقلبات الأسواق العالمية، وقل الضغط على العملة الأجنبية.

كما يمكن أن يتحول التكرير إلى نشاط تصديري ذي قيمة مضافة، بدلاً من أن تظل مصر مجرد سوق مستهلكة للطاقة.

السؤال الأصعب هو ما إذا كانت هذه الخطوات قادرة على إعادة مصر إلى موقعها السابق كمركز إقليمي للغاز.

الموقع الجغرافي لا يزال يمنح القاهرة ميزة مهمة: شبكة أنابيب، منشآت إسالة، موانئ على المتوسط، وقربها من حقول الغاز في شرق المتوسط. لكن استعادة الدور الإقليمي تحتاج أولاً إلى ضمان فائض محلي مستدام.

فمصر لا تستطيع أن تكون مركزاً لتجارة الغاز إذا كانت تواجه في الوقت نفسه فجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي. لذلك فإن زيادة الإنتاج المحلي ليست مجرد هدف اقتصادي، بل شرط لاستعادة الدور الإقليمي.

وتبدو القاهرة واعية لهذه المعادلة؛ إذ تركز خطتها للسنوات المقبلة على زيادة الاحتياطيات والإنتاج بالتوازي مع رفع كفاءة معامل التكرير وتقليص فاتورة الاستيراد.

لكن المسار لن يكون سريعاً. فعمليات البحث والاستكشاف تحتاج إلى سنوات، كما أن أسعار الغاز العالمية وتكلفة الحفر والتكنولوجيا ومدى جاذبية السوق المصرية للاستثمارات الأجنبية ستحدد قدرة الشركات على التوسع.

لا تبدو القاهرة أمام محاولة للعودة ببساطة إلى نموذج تصدير الغاز الذي عرفته قبل سنوات، وإنما أمام إعادة بناء أكثر حذراً لمنظومة الطاقة.

الهدف الأول هو تأمين السوق المحلية، والثاني تقليص فاتورة الاستيراد، والثالث جذب استثمارات جديدة، والرابع استعادة القدرة على التصدير عندما يتوافر فائض مستدام.

وهذه المعادلة تجعل أمن الطاقة مرتبطاً مباشرة بالإصلاح الاقتصادي. فكل دولار توفره مصر عبر زيادة الإنتاج المحلي أو رفع كفاءة التكرير يخفف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، وكل اكتشاف جديد يمكن أن يقلص فاتورة الاستيراد ويمنح الدولة مساحة أكبر للاستثمار.

لكن النجاح سيظل مشروطاً بقدرة الحكومة على تحويل الخطط إلى إنتاج فعلي، والحوافز إلى استثمارات، والاكتشافات إلى احتياطيات قابلة للتطوير.