الممر المؤقت في هرمز.. حل للأزمة أم طوق نجاة لطهران؟
دخل مضيق هرمز مرحلة جديدة من الأزمة مع إعلان سلطنة عُمان وإيران التوصل إلى إطار مرحلي يتضمن إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك، إلى جانب مشروع لإزالة الألغام من المضيق. ويأتي التحرك في وقت لا تزال فيه حركة السفن منخفضة بشدة، فيما تصعّد الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية على طهران وتلوّح بمزيد من الإجراءات العقابية.
المقترح العُماني ـ الإيراني يبدو للوهلة الأولى حلاً عملياً لمشكلة باتت تضغط على أسواق الطاقة والتجارة العالمية. لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤالاً أكثر تعقيداً: هل نحن أمام ممر يعيد حرية الملاحة، أم أمام صيغة تسمح لإيران بإعادة فتح هرمز من دون التخلي عن قدرتها على التحكم به؟
أهمية الاتفاق أنه لا يتحدث عن إعادة فتح المضيق بصورة طبيعية وفورية، وإنما عن مسار محدد ومؤقت يجري تنظيم حركة السفن عبره. وتقول طهران إن الدخول إلى الممر سيكون عبر المياه الإقليمية الإيرانية، فيما يمر جزء من الخروج أيضاً عبرها، وهو ما يمنح إيران موقعاً مركزياً في إدارة العبور.
كما أن الاتفاق يتضمن إزالة الألغام وتبادل المعلومات وتنظيم حركة السفن والخدمات الملاحية والأمنية، مع استمرار المفاوضات الفنية بهدف الوصول لاحقاً إلى ترتيبات أكثر استدامة لإدارة المضيق.
وهنا تكمن أولى مشكلات الممر: من يضمن أن يكون مؤقتاً فقط؟
فإذا تحولت ترتيبات العبور إلى آلية دائمة تحتاج السفن بموجبها إلى تنسيق مستمر مع طهران، فإن إيران تكون قد انتقلت من استخدام الإغلاق كسلاح إلى استخدام «الإدارة» كأداة نفوذ.
هل يمكن أن يكون حلاً واقعياً؟ نعم، ولكن في حدود معينة.
الممر يمكن أن يوفر منفذاً عملياً لاستئناف جزء من حركة التجارة، خصوصاً إذا نجحت عملية إزالة الألغام وتوفير خرائط واضحة للمسار. كما أن وجود عُمان في العملية يمنحها قدراً من المصداقية، باعتبارها الطرف الخليجي الذي حافظ على قنوات الاتصال مع طهران وواشنطن معاً.
لكن نجاح الممر تجارياً يحتاج إلى أكثر من اتفاق سياسي. شركات الشحن والتأمين تريد معرفة من يتحمل المسؤولية إذا تعرضت سفينة لحادث أو هجوم، ومن يضمن استمرار المرور إذا تجدد التصعيد.
الممر رسالة إيرانية إلى واشنطن: طهران مستعدة لتقديم تنازل عملي في ملف الملاحة، لكنها لا تريد تقديمه مجاناً.
وتكشف أرقام الملاحة حجم الفجوة بين الإعلان السياسي والواقع. فقد عبرت خمس سفن تجارية فقط مضيق هرمز الثلاثاء، مقابل متوسط يبلغ 15 سفينة خلال عشرة أيام، فيما سجل اليوم السابق أربع عمليات عبور فقط.
بمعنى آخر، الأسواق لم تعتبر الممر بعد بديلاً عن العودة الطبيعية للملاحة.
وإذا كان جزء أساسي من الممر يمر بالمياه الإقليمية الإيرانية، فإن طهران ستظل قادرة، نظرياً وعملياً، على التأثير في حركة السفن. وحتى لو التزمت بعدم استهدافها، فإن امتلاك القدرة على وقف المرور أو تغيير شروطه يمنحها نفوذاً كبيراً.
وهنا يظهر الفرق بين حرية الملاحة وحرية الملاحة المشروطة.
فالشركات لا تبحث فقط عن طريق صالح للملاحة، وإنما عن طريق يمكنها الاعتماد عليه لأسابيع وأشهر من دون أن تتحول قواعد المرور إلى رهينة لتطورات سياسية أو عسكرية.
كما أن وجود الألغام، أو الخلاف حول وجودها، يزيد المخاطر. فقد أعلنت طهران وعُمان عن مشروع مشترك لإزالتها، بينما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن القوات الأميركية أزالت أو فجّرت ألغاماً في المياه الدولية بالمضيق؛ وهي رواية رفضها مسؤولون إيرانيون.
وهذا التباين نفسه يكشف هشاشة البيئة الأمنية التي يفترض أن يعمل فيها الممر.
قد يبدو الاتفاق تنازلاً إيرانياً، لكنه في الواقع يحمل فوائد واضحة لطهران.
فإيران لا تريد بالضرورة التخلي عن ورقة هرمز، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى منع هذه الورقة من التحول إلى حصار اقتصادي على نفسها.
إغلاق المضيق يضغط على الاقتصاد العالمي، لكنه يضع إيران أيضاً تحت ضغط متزايد. وكلما طال تعطيل الملاحة، زادت احتمالات العقوبات، وارتفعت حوافز الدول الخليجية والشركات العالمية للبحث عن بدائل دائمة.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن دول الخليج تعمل بالفعل على تقليل اعتماد صادراتها النفطية على هرمز، بما قد يقلص تدريجياً قيمة المضيق كورقة ضغط إيرانية. لذلك يمكن أن يكون الممر بالنسبة إلى طهران وسيلة لخفض كلفة التصعيد من دون التخلي عن النفوذ.
هي لا تقول إنها فتحت المضيق بالكامل، ولا تتنازل عن شروطها أمام واشنطن، لكنها في المقابل تسمح بإنشاء منفذ محدود للسفن، بما يمنع الأزمة من الوصول إلى نقطة يصعب التراجع عنها.
إذا كان جزء أساسي من الممر يمر بالمياه الإقليمية الإيرانية، فإن طهران ستظل قادرة، نظرياً وعملياً، على التأثير في حركة السفن. وحتى لو التزمت بعدم استهدافها
هل هو محاولة لامتصاص غضب واشنطن؟ الأمر وارد، خاصة أن توقيت الاتفاق مهم جداً.
فالمفاوضات العُمانية ـ الإيرانية جاءت في وقت تصعّد فيه واشنطن الضغط الاقتصادي على طهران، مع انتقال الإدارة الأميركية إلى استخدام العقوبات بصورة أكبر كأداة ضغط بعد تراجع احتمالات توسيع العمليات العسكرية في المدى القريب.
وهنا يمكن قراءة الممر باعتباره رسالة إيرانية إلى واشنطن: طهران مستعدة لتقديم تنازل عملي في ملف الملاحة، لكنها لا تريد تقديمه مجاناً.
وتؤكد التصريحات الإيرانية أن فتح المضيق بالكامل لا يزال مرتبطاً بالتزامات أميركية وبمصير الاتفاق المؤقت السابق. وقال مسؤول إيراني الأربعاء إن الاتفاق مع عُمان لا يعني إعادة فتح هرمز بشكل كامل، وإن طهران تربط التطبيع الأوسع للملاحة بتنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها.
بذلك يصبح الممر جزءاً من مساومة أكبر: الملاحة مقابل تخفيف الضغط، وليس مجرد اتفاق تقني بين دولتين متجاورتين.
أما مسقط، فتبدو معنية بمنع تحول هرمز إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
المشكلة بالنسبة إلى عُمان أن أمن المضيق ليس قضية إيرانية فقط. فاستمرار الأزمة يهدد اقتصاد المنطقة، ويضر بالتجارة والطاقة، ويضع الدول الخليجية في مواجهة مباشرة مع تداعيات الصراع الأميركي ـ الإيراني.
لذلك تحاول السلطنة صياغة ترتيب يحقق الحد الأدنى من المصالح للجميع: إيران تحتفظ بماء وجهها ونفوذها، والسفن تحصل على مسار آمن، وواشنطن تحصل على تخفيف للضغط على التجارة العالمية من دون أن تضطر إلى عملية عسكرية جديدة لفرض فتح المضيق.
لكن نجاح هذا الدور يتوقف على قدرة مسقط على ضمان ألا يصبح الممر ترتيباً إيرانياً أكثر منه ترتيبا دولياً.
الاختبار الحقيقي في واشنطن
الموقف الأميركي سيكون حاسماً. فإذا قبلت واشنطن بالممر باعتباره خطوة انتقالية، فقد يصبح أساساً لتسوية أوسع. أما إذا رأت فيه محاولة إيرانية لإدارة هرمز تحت غطاء عُماني، فقد تعتبره غير كافٍ وتواصل الضغط الاقتصادي.
وهنا يصبح توقيت العقوبات مهماً. فكلما اشتد الضغط على الاقتصاد الإيراني، زادت حاجة طهران إلى تخفيف أزمة هرمز من دون الظهور بمظهر المتراجع. وفي المقابل، كلما طال إغلاق المضيق، زادت قدرة واشنطن على استخدام العقوبات والحصار الاقتصادي لإجبار إيران على تقديم تنازلات أكبر.
لذلك فإن الممر المؤقت قد يكون في الحقيقة جسراً تفاوضياً بين هرمز والعقوبات.
في المحصلة، لا يبدو الممر العُماني حلاً نهائياً لأزمة هرمز، لكنه قد يكون أكثر الحلول واقعية لتجنب استمرار الشلل الكامل للملاحة.