استنزاف الصواريخ الدقيقة التحدي الأكبر أمام حرب ترامب مع إيران

وكالة أنباء حضرموت

 لم تعد الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران تقتصر على ميدان العمليات العسكرية، بل امتدت إلى مخازن الذخائر الأميركية، بعدما كشفت تقارير عن استنزاف غير مسبوق للصواريخ بعيدة المدى عالية الدقة التي تعد من أهم ركائز القوة النارية للجيش الأميركي.

ويشير هذا التطور إلى أن الحرب، التي توقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تكون قصيرة وحاسمة، تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة واشنطن على خوض صراع طويل دون التأثير في جاهزيتها لمواجهة خصوم آخرين مثل الصين وروسيا.

وبحسب مصادر مطلعة، استخدم الجيش الأميركي خلال الأشهر الخمسة الماضية معظم مخزونه من صواريخ "أتاكمز" وصواريخ "بريزم" بعيدة المدى، وهي ذخائر استراتيجية تعتمد عليها القوات البرية في تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف بعيدة من دون الحاجة إلى الزج بالقوات أو الطائرات المأهولة في بيئات قتالية عالية الخطورة.

ويعكس هذا الاستهلاك المكثف حجم العمليات التي نفذتها القوات الأميركية داخل إيران، كما يسلط الضوء على طبيعة الحرب التي اعتمدت بشكل متزايد على الضربات بعيدة المدى لتقليل المخاطر على الطيارين والقوات المنتشرة في المنطقة. إلا أن هذه الاستراتيجية، رغم نجاحها العملياتي، فرضت ثمناً باهظاً على المخزون العسكري الأميركي.

وتحظى صواريخ "أتاكمز" و"بريزم" بأهمية خاصة في العقيدة العسكرية الأميركية، إذ تمثل أحد أهم وسائل الردع في مواجهة خصوم يمتلكون دفاعات جوية متطورة.

وقد لعبت صواريخ "أتاكمز" دوراً محورياً في الحرب الأوكرانية عبر تمكين كييف من استهداف مواقع داخل الأراضي الروسية، بينما تمثل صواريخ "بريزم" الجيل الأحدث الذي تعول عليه واشنطن في أي مواجهة مستقبلية مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ويثير استنزاف هذه الذخائر مخاوف داخل الأوساط العسكرية الأميركية من أن يؤدي استمرار الحرب إلى تقليص قدرة الجيش على الاستجابة لأزمات متزامنة في أكثر من مسرح عمليات، وهو السيناريو الذي لطالما بنت عليه الولايات المتحدة استراتيجيتها الدفاعية.

ولا تقتصر المخاوف على الصواريخ الهجومية، إذ تشير تقديرات إلى انخفاض ملحوظ في مخزونات أنظمة الدفاع الجوي. فقد استُهلك نحو 65 في المئة من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية خلال الأشهر الأولى من الحرب، بينما تراجع مخزون صواريخ "ثاد" بما لا يقل عن 38 في المئة، فضلاً عن استخدام ما يقارب نصف المخزون العالمي من صواريخ "توماهوك"، بحسب تقارير ومصادر مطلعة.

ويعني ذلك أن الضغوط لم تعد مقتصرة على الذخائر المستخدمة في مهاجمة الأهداف الإيرانية، وإنما امتدت أيضاً إلى الأنظمة الدفاعية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة لحماية قواعدها وقواتها وحلفائها من الهجمات الصاروخية، الأمر الذي يضع البنتاغون أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في مواصلة العمليات القتالية والحفاظ في الوقت نفسه على الحد الأدنى من الجاهزية الدفاعية.

ورغم هذه المعطيات، يقلل البيت الأبيض من أهمية الحديث عن نقص الذخائر، إذ أكد الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك مخزوناً من الذخائر يفوق أي دولة أخرى، مشيراً إلى أن شركات الصناعات الدفاعية تعمل حالياً بأعلى وتيرة إنتاج في تاريخها، مع توسيع المصانع وخطوط الإنتاج بوتيرة قياسية.

إلا أن هذا التفاؤل لا يبدد مخاوف الخبراء العسكريين، الذين يشيرون إلى أن زيادة الإنتاج لا تعني بالضرورة القدرة على تعويض الاستهلاك السريع. فإنتاج الصواريخ الدقيقة يحتاج إلى سلاسل توريد معقدة ومكونات إلكترونية متقدمة، كما أن تصنيع بعضها قد يستغرق أشهراً، ما يجعل إعادة بناء المخزونات عملية طويلة لا تتناسب مع وتيرة الاستهلاك الحالية.

الجيش الأميركي استخدم خلال الأشهر الخمسة الماضية معظم مخزونه من صواريخ "أتاكمز" وصواريخ "بريزم" بعيدة المدى، وهي ذخائر استراتيجية تعتمد عليها القوات البرية في تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف بعيدة من دون الحاجة إلى الزج بالقوات أو الطائرات المأهولة في بيئات قتالية عالية الخطورة.

وتكشف المعلومات المتداولة أن النقاش داخل إدارة ترامب لم يعد يقتصر على كيفية إدارة الحرب، بل امتد إلى سؤال أكثر إلحاحاً يتعلق بمدة قدرة الولايات المتحدة على مواصلة العمليات العسكرية دون المساس بمستوى الردع العالمي.

وتشير تقارير إلى أن قيادات عسكرية حذرت الرئيس خلال الأسابيع الماضية من تراجع مخزونات بعض الذخائر الحساسة، الأمر الذي أثار نقاشات بشأن جدوى توسيع العمليات العسكرية ضد إيران.

ويبدو أن هذه التحذيرات كانت أحد العوامل التي دفعت الإدارة الأميركية إلى إعادة تقييم خياراتها العسكرية، خصوصاً أن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى استنزاف أكبر للذخائر التي تعد ضرورية لمواجهة تحديات استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا.

وتبرز الحرب مع إيران أيضاً التحدي الذي يواجه الصناعة الدفاعية الأميركية في ظل تعدد بؤر التوتر العالمية. فواشنطن تواصل دعم أوكرانيا، وتحافظ على انتشار عسكري واسع في الشرق الأوسط، وتستعد في الوقت نفسه لاحتمالات التصعيد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وهي التزامات تتطلب مخزونات ضخمة من الذخائر الدقيقة.

كما أعادت هذه الحرب النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن القدرة على خوض صراعات طويلة الأمد. فبعد عقود من التركيز على الحروب السريعة والضربات الدقيقة، تكشف الحرب الحالية أن حتى أكبر قوة عسكرية في العالم قد تواجه تحديات لوجستية وصناعية إذا طال أمد العمليات وارتفع معدل استهلاك الذخائر المتطورة.

ولا يبدو أن التحدي الأكبر أمام إدارة ترامب يتمثل فقط في تحقيق أهدافها العسكرية داخل إيران، بل أيضاً في الحفاظ على توازن دقيق بين مواصلة الحرب وعدم استنزاف أدوات الردع التي تشكل أساس التفوق العسكري الأمريكي. فكل صاروخ يُطلق اليوم في سماء إيران قد يعني قدرة أقل على التعامل مع أزمة جديدة غداً، وهو ما يفرض على واشنطن إعادة النظر في كيفية إدارة حروبها، وفي سرعة إعادة بناء ترسانتها الاستراتيجية قبل أن تتحول الحرب الحالية إلى نقطة ضعف في ميزان القوة الأميركي.