التنوع البيولوجي.. ثروة خفية تحمي الاقتصاد العالمي
لم يعد التنوع البيولوجي قضية بيئية فحسب، بل تحول إلى ركيزة اقتصادية واستراتيجية، إذ بات الحفاظ عليه شرطا لتعزيز الأمن الغذائي والطاقة واستدامة الموارد وبناء اقتصادات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
يشير مصطلح التنوع البيولوجي إلى أشكال الحياة المختلفة من النباتات والحيوانات والفطريات والكائنات الحية الدقيقة وغيرها على كوكب الأرض.
ويعزز هذا التنوع الفريد النظم البيئية، ويوفر ثراءً هائلا في الموارد الوراثية والحيوية التي تدعم استمرار الحياة عبر إنتاج الغذاء، وتلقيح المحاصيل، وتنقية المياه، وتنظيم المناخ، فضلا عن توفير مواد تدخل في إنتاج الطاقة الحيوية.
كما يسهم في الحفاظ على الخدمات البيئية، ويوفر بيئة آمنة للإنسان وسائر الكائنات الحية، ويعزز في الوقت نفسه مرونة اقتصادات الدول.
ومع ذلك، أدى التوسع الزراعي غير المستدام، إلى جانب الأنشطة البشرية التي سرعت وتيرة التغيرات المناخية، وزادت من مستويات التلوث والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، إلى تدهور العديد من النظم البيئية وانخفاض أعداد الأنواع الحية، وهو ما انعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي.
وقد نوقشت قضية التنوع البيولوجي خلال قمة الأرض التي عقدت عام 1992 في مدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل، وأسفرت عن 3 اتفاقيات رئيسية، هي: اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، واتفاقية التنوع البيولوجي (CBD)، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD).
وتهدف هذه الاتفاقيات إلى حماية النظام البيئي للأرض وضمان استدامة الحياة، فيما تُعقد مؤتمرات الأطراف الخاصة بها بصورة دورية لمتابعة تنفيذ أهدافها.
دمج القطاعات
وخلال الفترة من 19 إلى 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تستضيف مدينة يريفان في أرمينيا أعمال الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD COP17) تحت شعار "العمل من أجل الطبيعة".
ويركز المشاركون في المؤتمر على أول مراجعة عالمية لإطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي (KMGBF)، إضافة إلى متابعة تنفيذ أهداف الاتفاقية، وفي مقدمتها دمج التنوع البيولوجي في مختلف القطاعات الاقتصادية، مثل الزراعة والطاقة وغيرها.
وفي هذا السياق، يقول رئيس قسم السياسات متعددة الأطراف في الصندوق العالمي للطبيعة، غيدو بروكهوفن، في تصريحات لـ"العين الإخبارية": "يتطلب دمج التنوع البيولوجي في القطاعات الإنتاجية تحولا جذريا في كيفية قياس الاقتصادات للقيمة وإدارة الموارد، بحيث لا يقتصر الأمر على الناتج المحلي الإجمالي، بل يمتد ليشمل رأس المال الطبيعي وخدمات النظم البيئية".
وأضاف: "ويعني ذلك عمليا تحويل النظم الغذائية عبر تبني الزراعة الإيكولوجية وأنماط استهلاك أكثر استدامة، وإدماج مبادئ الاقتصاد الدائري للحد من استهلاك الموارد والتلوث، مع ضمان أن يعتمد تطوير البنية التحتية على تسلسل واضح يشمل: التجنب، ثم التخفيف، ثم الاستعادة".
اقتصاد أكثر مرونة
وتجدر الإشارة إلى أن العديد من القطاعات الاقتصادية تعتمد بصورة مباشرة على التنوع البيولوجي، الذي يشمل النباتات والحيوانات والحشرات والكائنات الدقيقة والغابات والبحار. ويعد هذا التنوع أساسا لقطاعات حيوية مثل الأمن الغذائي والطاقة والزراعة والصناعة وغيرها.
على سبيل المثال، يسهم الحفاظ على الملقحات الطبيعية، مثل النحل، في زيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية، والحد من انتشار الآفات والأمراض، إلى جانب حماية التربة والكائنات الدقيقة التي تعزز خصوبتها وتقلل الحاجة إلى استخدام الأسمدة الكيماوية.
أما في قطاع الأمن الغذائي، فيوفر التنوع البيولوجي مصادر غذائية متنوعة وغنية بالفيتامينات والعناصر الغذائية، كما يقلل الاعتماد على محصول واحد، بحيث تظل هناك بدائل غذائية متاحة في حال تضرر أحد المحاصيل نتيجة الظروف المناخية أو الأمراض.
وفي قطاع الطاقة، تسهم حماية الغابات والأراضي الرطبة في دعم إنتاج الطاقة الحيوية المستدامة، وتنظيم الموارد المائية بما يسمح بتوليد الكهرباء من السدود، فيما يؤدي دمج الطاقة المتجددة مع حماية الطبيعة إلى الحد من الآثار البيئية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
ويساعد ذلك كله في تقليل الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية، والحفاظ على الموارد التي تعتمد عليها الصناعة والزراعة والأمن الغذائي، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة، وخفض تكاليف استصلاح الأراضي ومعالجة تلوث المياه، وهو ما يعزز مرونة الاقتصادات.
ويعلق غيدو بروكهوفن قائلh: "إن مواءمة سياسات الزراعة والطاقة والبنية التحتية مع أهداف التنوع البيولوجي لا تمثل مفاضلة، بل هي الطريق نحو اقتصادات أكثر مرونة وإنتاجية وعدالة">
الدعم ضرورة
لكن الحفاظ على التنوع البيولوجي، خاصة في ظل تسارع التغيرات المناخية وتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، يتطلب دعم المجتمعات المحلية القريبة من البؤر الغنية بالتنوع البيولوجي.
وفي هذا الإطار، يؤكد بروكهوفن أن: "أدوات السياسات العامة، بدءًا من إصلاح الحوافز الضارة، ومكافأة المزارعين على جهودهم في حماية التنوع البيولوجي، ووصولًا إلى فرض سلاسل إمداد مستدامة وتطبيق معايير بيئية صارمة على الاستثمارات، تُعد عناصر أساسية لإنجاح هذا التحول." وهو ما يؤكد أهمية توفير الدعم والحوافز اللازمة للحفاظ على الثروة البيولوجية الفريدة التي تتمتع بها الأرض.
الحفاظ على التنوع البيولوجي لا يضمن فقط توفير حياة كريمة للإنسان، بل يعزز أيضًا مرونة الاقتصاد، ويساعد النظم البيئية على التعافي، ويضمن استمرار الخدمات البيئية التي تعتمد عليها البشرية في حاضرها ومستقبلها.