التضخم والديون والذكاء الاصطناعي مخاطر مركبة تهدد الاقتصاد العالمي
يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة تتزايد فيها حدة الضغوط والتداخل بين عوامل يراها الخبراء مخاطر مركبة، الأمر الذي يحتاج من صانعي السياسات اليقظة بشكل أكبر لتجنب عواقب قد تتطلب أعواما لترميمها.
ويعتقد خبراء بنك التسويات الدولية (بيس) أن الضغوط العالمية الناجمة عن ارتفاع الدين العام، والهشاشة المالية، واستدامة ازدهار الذكاء الاصطناعي، تُفاقم المخاطر، مما يُؤكد الحاجة إلى سياسات منضبطة.
ومع بقاء النشاط الاقتصادي العالمي مرنًا نسبيًا خلال الفترة الأخيرة، فإن المؤشرات تشير إلى أن استمرار تراكم هذه الضغوط قد يضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة أكثر حساسية تتطلب إصلاحات أعمق وتنسيقًا أكبر بين السياسات النقدية والمالية.
وحذّر التقرير السنوي الصادر عن بنك التسويات الدولية، والذي نُشر الأحد، من مزيج معقد من نقاط الضعف، بما في ذلك الأوضاع المالية المتأزمة، والصدمات المستمرة في العرض، وخطر تجدد موجة التضخم المرتفع.
والبنك هو عبارة عن هيئة مالية دولية تأسست عام 1930، ويقع مقره في مدينة بازل بسويسرا، ويعد مؤسسة محورية في النظام المالي العالمي، حيث يهدف إلى تعزيز التعاون بين البنوك المركزية في مختلف الدول، ودعم الاستقرار النقدي والمالي العالمي.
وفي حين ظل النشاط الاقتصادي قوياً خلال الأشهر الأخيرة، أكد بنك بيس على ضرورة تحرك صانعي السياسات بحزم للحفاظ على الاستقرار.
وعلى الرغم من أن النشاط الاقتصادي ظل صامداً في الأشهر الأخيرة، إلا أنه يجب على صانعي السياسات اتخاذ إجراءات حاسمة، بحسب بنك التسويات الدولية، للحفاظ على الاستقرار.
وقال بابلو هيرنانديز دي كوس، المدير العام لبنك التسويات الدولية، “يجب أن تتضافر الإجراءات السياسية لتجنب تقلبات الاقتصاد العالمي. وفي نهاية المطاف، يعتمد النجاح على أسسه المالية والنقدية”.
وسلط التقرير الضوء على أربع نقاط ضغط رئيسية، فقد عاود التضخم الارتفاع، وحذر بنك بيس من أن ازدياد اضطرابات الإمداد قد يؤدي إلى ترسيخ توقعات التضخم المرتفعة لدى الأسر والشركات.
وصرح دي كوس للصحافيين بأن “الاستعداد للتحرك إذا لاحظت البنوك المركزية استقرار توقعات التضخم هو الرسالة الأساسية التي نريد إيصالها”.
وأضاف أن وقف إطلاق النار الأخير بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط وإعادة فتح مضيق هرمز “نبأ سار” يعني تجنب السيناريوهات المتطرفة، على الرغم من أنه من المرجح أن يستغرق سوق النفط بعض الوقت للعودة إلى وضعه الطبيعي.
كما أشار بنك التسويات الدولية إلى عدم اليقين بشأن استدامة الارتفاع الحالي في الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وبينما عزز الذكاء الاصطناعي الثقة ودعم النمو بفضل توقعات زيادة الإنتاجية، حذر البنك من أنه يثير مخاوف بشأن الوظائف، وأن اختناقات سلاسل التوريد والمنافسة الشديدة قد تؤدي إلى إفراط في الاستثمار كما حدث في دورات الازدهار والركود السابقة.
وبالنسبة إلى البنوك المركزية، يطرح هذا الأمر تساؤلات جوهرية حول كيفية عمل الاقتصاد، مع أن دي كوس صرح بأنه من “غير الحكمة” في الوقت الراهن تحديد كيفية استجابتها.
وتبقى مواطن الضعف المالي مصدر قلق آخر، فقد أدت التقييمات المرتفعة للأصول ومؤشرات تراخي المستثمرين إلى جعل أسواق السندات الأساسية أكثر هشاشة، في حين يبدو تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي مرتبطًا بشكل متزايد بالديون وهياكل التمويل المعقدة عبر سلسلة التوريد.
وفي الوقت نفسه أدى الارتفاع القياسي في الدين العام وأسواق الدين السيادي، التي تهيمن عليها بشكل متزايد صناديق التحوط الكبيرة ذات الرافعة المالية العالية، إلى خلق “علاقة جديدة بين الاستقرار السيادي والمالي”، مما يشكل مخاطر متزايدة.
وقال فرانك سميتس، القائم بأعمال رئيس قسم الشؤون النقدية والاقتصادية في بنك بيس، “قد يؤدي الترابط الجديد بين المالية العامة والاستقرار المالي إلى انخفاضات أكثر تواترا وشدةً في قيمة السندات السيادية”. وأوضح أن مثل هذه التقلبات قد تُؤدي إلى تضييق الأوضاع المالية بسرعة.
وأكد دي كوس أن رسالة بنك التسويات الدولية تُؤكد على “ضرورة الإسراع” في خفض مستويات الدين في الاقتصادات الرئيسية، “لأن الواقع هو أن الدين اليوم مرتفع، ويتم تمويله عبر مؤسسات مالية غير مصرفية”.
وحثّ بنك بيس صانعي السياسات على إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار، وضمان الاستدامة المالية العامة، وتنسيق القطاع المصرفي وتعزيزه بما يتجاوز مجرد الرقابة، والسعي إلى إصلاحات هيكلية.
وقال دي كوس “يجب على صانعي السياسات التحرك الآن. فالتأخير لن يؤدي إلا إلى زيادة تكلفة التعديلات اللازمة”.