الشرق الأوسط يستهلك مخزون الصواريخ الأميركية بوتيرة غير مسبوقة

وكالة أنباء حضرموت

لم تعد الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة أو تدعمها في الشرق الأوسط تُقاس فقط بتكلفتها السياسية أو المالية، بل باتت تترك أثراً مباشراً على أحد أهم عناصر القوة العسكرية الأميركية: مخزون الصواريخ الاعتراضية المتقدمة.

ومع اتساع رقعة المواجهات خلال العامين الماضيين، من البحر الأحمر إلى الخليج، وجدت واشنطن نفسها تستهلك كميات ضخمة من الصواريخ الدفاعية بوتيرة تفوق بكثير قدرة صناعاتها العسكرية على تعويضها، الأمر الذي بدأ ينعكس على التخطيط الاستراتيجي الأميركي في مناطق أخرى أكثر حساسية، وعلى رأسها منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وبحسب تقديرات متزايدة داخل الأوساط الدفاعية الأميركية، فإن العمليات العسكرية المتلاحقة في الشرق الأوسط كشفت حدود القدرة الإنتاجية للقاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية، التي صُممت خلال العقود الماضية لتلبية احتياجات زمن السلم أو النزاعات المحدودة، وليس لخوض مواجهات ممتدة تتطلب إطلاق مئات الصواريخ المتطورة خلال أشهر قليلة.

وقد بدأت موجة الاستنزاف الحالية مع تكثيف العمليات العسكرية الأميركية ضد الحوثيين في اليمن ضمن عملية "روف رايدر"، قبل أن تتوسع بصورة أكبر خلال العملية العسكرية الواسعة ضد إيران المعروفة باسم "الغضب الملحمي"، إضافة إلى استمرار الدعم الأميركي لأنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في غزة وما تبعها من تصعيد إقليمي.

وخلال هذه العمليات، اضطرت القوات الأميركية إلى استخدام أعداد كبيرة من الصواريخ الاعتراضية للتصدي للصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة التي استهدفت القوات الأميركية أو حلفاءها.

وتبرز أزمة صواريخ "إس إم-6" و"إس إم-2" باعتبارها المثال الأكثر وضوحاً على حجم الاستنزاف. فهذان الصاروخان يمثلان العمود الفقري للدفاع الجوي البحري الأميركي، ويستخدمان لحماية حاملات الطائرات والمدمرات والقواعد البحرية من التهديدات الجوية والصاروخية.

وخلال المواجهات الأخيرة في البحر الأحمر والخليج، أطلقت السفن الأميركية أعداداً كبيرة من هذه الصواريخ للتصدي للهجمات المتكررة، ما أدى إلى استهلاك مخزونات تعادل سنوات من الإنتاج خلال فترة زمنية قصيرة.

وتكمن المشكلة في أن وتيرة التصنيع لا تواكب وتيرة الاستهلاك. فالشركة المصنعة لصواريخ "إس إم-6" تنتج ما بين 125 و200 صاروخ سنوياً فقط، وهي أرقام تبدو ضئيلة مقارنة بحجم الاستخدام الذي شهدته العمليات الأخيرة.

ويعني ذلك عملياً أن بضعة أشهر من القتال استهلكت طاقة إنتاجية تمتد لسنوات، الأمر الذي يفرض تحديات كبيرة على البنتاجون في إعادة ملء المخازن.

ولا يقتصر الأمر على البحرية الأميركية. فصواريخ "بي إيه سي-3 إم إس إي" المستخدمة ضمن منظومة "باتريوت" تواجه بدورها ضغوطاً متزايدة.

وتعد هذه الصواريخ من أهم أدوات الدفاع ضد الصواريخ الباليستية، وقد أصبحت مطلوبة على عدة جبهات في آن واحد، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا أو آسيا. كما أن الحرب الأوكرانية استنزفت جزءاً من هذه القدرات، بعدما اضطرت واشنطن إلى تحويل كميات من الصواريخ المخصصة لحلفائها إلى كييف.

العمليات العسكرية المتلاحقة في الشرق الأوسط كشفت حدود القدرة الإنتاجية للقاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية، التي صُممت خلال العقود الماضية لتلبية احتياجات زمن السلم أو النزاعات المحدودة، وليس لخوض مواجهات ممتدة تتطلب إطلاق مئات الصواريخ المتطورة خلال أشهر قليلة.

ورغم أن الإنتاج السنوي لصواريخ "بي إيه سي-3" يتراوح بين 550 و650 صاروخاً، فإن هذا الرقم لا يكفي لتغطية احتياجات الجيش الأميركي وحلفائه المنتشرين حول العالم.

ولهذا السبب اتجهت واشنطن إلى البحث عن حلول غير تقليدية، من بينها توسيع التصنيع في الخارج والاستفادة من خطوط إنتاج حليفة مثل اليابان للمساعدة في سد النقص.

كما تواجه الولايات المتحدة تحدياً مماثلاً مع صواريخ "إيه آي إم-120 أمرام"، التي تُستخدم من قبل القوات الجوية الأميركية والحليفة، إضافة إلى أنظمة الدفاع الجوي المختلفة.

ويؤدي تعدد مستخدمي هذا الصاروخ إلى زيادة الضغوط على خطوط الإنتاج، خصوصاً مع استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا وارتفاع الطلب من دول حلف شمال الأطلسي وشركاء واشنطن في آسيا.

لكن الأزمة لا ترتبط بنقص التمويل، إذ خصصت الإدارة الأميركية والكونغرس مليارات الدولارات الإضافية لتعزيز إنتاج الصواريخ. فتمويل برامج صواريخ "إس إم" شهد قفزة كبيرة بين عامي 2026 و2027، في محاولة لإعادة بناء المخزونات وتوسيع القدرات التصنيعية. غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في طبيعة الصناعة الدفاعية نفسها، إذ تعتمد هذه الصواريخ على مكونات معقدة وسلاسل توريد محدودة، ما يجعل زيادة الإنتاج عملية تستغرق سنوات لا أشهراً.

وتشير التقديرات إلى أن تصنيع الصاروخ الواحد قد يتطلب ما يقرب من عامين منذ مرحلة إنتاج المكونات الأساسية وحتى التسليم النهائي. كما أن بعض المواد والمكونات الإلكترونية الحساسة لا تتوفر إلا لدى عدد محدود من الموردين، ما يخلق اختناقات يصعب تجاوزها بسرعة حتى مع ضخ مزيد من الأموال.

وتحمل هذه الأزمة أبعاداً استراتيجية تتجاوز الشرق الأوسط. فالبنتاغون ينظر إلى الصين باعتبارها التحدي العسكري الأكبر خلال العقود المقبلة، وتعتمد خططه الدفاعية في منطقة المحيط الهادئ بصورة كبيرة على صواريخ "إس إم-6" و"باتريوت" و"ثاد".

وبالتالي فإن كل صاروخ يُستهلك في الشرق الأوسط يعني انخفاض المخزون المتاح لأي مواجهة محتملة في آسيا.

ولهذا السبب بدأت قضية المخزونات الصاروخية تتحول من مسألة لوجستية إلى قضية استراتيجية مؤثرة في قرارات الانتشار العسكري الأميركي. فاستمرار استنزاف الصواريخ الاعتراضية في نزاعات منخفضة الكلفة نسبياً، مثل مواجهة الطائرات المسيّرة الرخيصة، يثير تساؤلات متزايدة داخل دوائر صنع القرار بشأن جدوى استخدام صواريخ باهظة الثمن لمواجهة تهديدات زهيدة التكلفة.

وكشفت حروب الشرق الأوسط عن فجوة متنامية بين الطموحات العسكرية الأميركية وقدراتها الصناعية الفعلية. فبينما تمتلك الولايات المتحدة أكبر ترسانة دفاعية في العالم، فإن إعادة بناء مخزوناتها من الصواريخ المتقدمة تتطلب سنوات من العمل والاستثمار.

وخلال تلك الفترة ستبقى واشنطن أمام معادلة صعبة: مواصلة الانخراط العسكري في الشرق الأوسط من جهة، والحفاظ على جاهزيتها لمواجهة تحديات أكبر في آسيا من جهة أخرى.