مونت كارلو الدولية: يوم إيراني عاصف بباريس

مونت كارلو الدولية: يوم إيراني عاصف بباريس

تحولت فعاليات “إيران الحرة 2026” في باريس، السبت، إلى مناسبة سياسية ودبلوماسية وحقوقية عكست التداخل بين المفاوضات الجارية بشأن البرنامج النووي الإيراني، والجدل الفرنسي حول حرية التظاهر، وسعي المعارضة الإيرانية إلى تقديم نفسها بوصفها بديلا ديمقراطيا وعلمانيا للنظام القائم في طهران.

مونت كارلو الدولية: يوم إيراني عاصف بباريس

حفظ الصورة
موسى أفشار
خريج جامعة المستنصرية ببغداد محلل الشأن الإيراني وشؤون الشرق الأوسط خاصة الشؤون العربية. منذ أكثر من 20 عامًا يعمل كاتبًا ومحللًا في وسائل الإعلام العربية. عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كاتب مقالات وله مقابلات وآراء عديدة في وسائل الإعلام العربية الرصينة
وکالة أنباء حضر موت

مونت كارلو الدولية: يوم إيراني عاصف بباريس

مونت كارلو الدولية

تحولت فعاليات “إيران الحرة 2026” في باريس، السبت، إلى مناسبة سياسية ودبلوماسية وحقوقية عكست التداخل بين المفاوضات الجارية بشأن البرنامج النووي الإيراني، والجدل الفرنسي حول حرية التظاهر، وسعي المعارضة الإيرانية إلى تقديم نفسها بوصفها بديلا ديمقراطيا وعلمانيا للنظام القائم في طهران.

وبينما كانت السلطات الفرنسية تؤكد أنها لن توافق على رفع العقوبات الدولية عن إيران ما لم يشمل أي اتفاق نهائي برنامج الصواريخ الباليستية ودور طهران الإقليمي، منعت الشرطة الفرنسية تظاهرة ضخمة للمعارضة الإيرانية كان منظموها يأملون أن تستقطب نحو مئة ألف مشارك، وفي الوقت نفسه، عقد المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مؤتمره السنوي “إيران الحرة 2026” بحضور شخصيات سياسية غربية بارزة، حيث تصدرت الدعوات إلى دعم “الخيار الثالث” القائم على إسقاط النظام وإقامة جمهورية ديمقراطية غير نووية.

حظر تظاهرة للمعارضة الإيرانية

وفي موازاة ذلك، واجهت الحكومة الفرنسية انتقادات من المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بعد قرار ولاية شرطة باريس حظر التظاهرة التي كان من المقرر تنظيمها في ساحة فوبان وسط العاصمة الفرنسية احتجاجا على الإعدامات والقمع في إيران، وأكد منظمو التظاهرة أنهم كانوا يعملون لمدة شهرين على تنظيم هذا الحدث بالتشاور مع الشرطة وبالامتثال التام لجميع الإجراءات.

وجاء قرار المنع مساء الخميس، بعد ساعات من اتصال هاتفي بين بارو ونظيره الإيراني عباس عراقجي، إلا أن وزارة الخارجية الفرنسية نفت السبت بشكل قاطع وجود أي رابط بين القرار الأمني والمحادثات الدبلوماسية، مؤكدة أن الوزير الإيراني لم يطلب إلغاء التظاهرة ولم يتطرق إليها خلال الاتصال.

وبررت السلطات الفرنسية الحظر بوجود “مناخ وطني ودولي متوتر بشكل استثنائي” وبـ”خطر جدي” لوقوع مواجهات بين مجموعات متعارضة سياسيا، من بينها مؤيدون للنظام الإيراني، وناشطون إيرانيون من أنصار الشاه، ومشاركون في التظاهرة المعارضة، ما سلّط الضوء وفق المعارضة على التقاء مصالح النظام الحاكم في طهران وفلول استبداد الشاه ضد صوت الإيرانيين المطالبين بجمهورية ديمقراطية.

وأيدت المحكمة الإدارية في باريس صباح السبت قرار المنع، معتبرة أن احتمال وقوع اضطرابات خطيرة للنظام العام يبرر الحظر، كما رفض مجلس الدولة الفرنسي لاحقا الطعن الذي تقدم به منظمو التظاهرة.

غير أن قرار المنع لم يمنع مئات المتظاهرين من التوجه إلى ساحة فوبان ومحيط مجمع الأنفاليد، ووصلت حافلات تقل مشاركين من مناطق مختلفة من فرنسا وأوروبا، فيما طوقت قوات مكافحة الشغب المكان وأمرت المحتجين بالتفرق.

 

انتقادات للحكومة الفرنسية

وأعلنت الشرطة الفرنسية توقيف نحو عشرين شخصاً خلال التجمع غير المرخص، وأكد أفشين علوي، العضو في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وهو الذراع السياسية لمنظمة مجاهدي خلق أن “الشرطة استخدمت رذاذ الفلفل، وأوقفت نحو عشرين شخصا من دون مبرر”، وأضاف “لا يوجد أي عنف من جانب المتظاهرين، وقد فرّقت الشرطة عددا كبيرا منهم، كما منعت آخرين من الانضمام إلى التظاهرة”، مضيفا أنهم طلبوا من المتظاهرين “عدم الحضور وانتظار نتيجة الطعن الذي قدمناه على وجه السرعة”، مردفا “لكن لا يمكننا ضبط الجميع، لقد وصلت الحافلات من كل المناطق”.

ورفع المشاركون شعارات من بينها “لا للشاه ولا للملالي”، و”يسقط الديكتاتور في إيران”، كما لوحوا بأعلام صفراء ورفعوا صورا لإيرانيين أُعدموا على يد السلطات الإيرانية.

وكانت التظاهرة منظمة من قبل ائتلاف “أصوات إيران” الذي يضم جمعيات من الجالية الإيرانية ومنظمات غير حكومية فرنسية ودولية، من بينها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وجمعية النساء الإيرانيات في فرنسا، ولجنة دعم حقوق الإنسان في إيران.

وأعرب عدد من المشاركين عن غضبهم من قرار الحظر، وقالت إحدى المتظاهرات إن فرنسا “سحقت قيمها” بمنع تجمع يهدف إلى التنديد بالإعدامات السياسية، معتبرة أن من يمارس الإرهاب هم “الملالي” وليس المحتجون المطالبون بالديمقراطية.

واعتبر محاميا المنظمين، فانسان برينغار وويليام بوردون، أن الحظر صدر “في اللحظة الأخيرة”، وأعلنا لوكالة فرانس برس أن مجلس الدولة الفرنسي، الذي تقدما إليه بطعن استئنافي، رفض طلبهما، وأضاف المحاميان في بيان: “إن غياب جلسة استماع أمام مجلس الدولة، رغم المساس بحرية التظاهر وما يترتب على هذا الحظر من تداعيات خطيرة جدا، يكرّس استمرار حالة من التعسف”.

مريم رجوي تدعو إلى الخيار الثالث

ورغم منع التظاهرة، انعقد مؤتمر “إيران الحرة 2026” في مقر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في باريس بحضور شخصيات سياسية غربية وازنة.

وشارك في المؤتمر الرئيس السابق للمجلس الأوروبي شارل ميشيل، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، والرئيس السابق لمجلس العموم البريطاني جون بيركو، ووزير الخارجية الأوكراني السابق دميترو كوليبا، ووزير الخارجية الكندي الأسبق جون بيرد، والسيناتور الأميركي السابق روبرت توريشيلي، ونائب رئيس البرلمان الأوروبي السابق أليخو فيدال كوادراس، إضافة إلى نواب وشخصيات سياسية أوروبية وأميركية أخرى.

وفي كلمتها الرئيسية، قالت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، إن الحرب والتدخلات الإقليمية والمشروع النووي ليست سياسات ظرفية، بل تشكل جزءا من استراتيجية بقاء النظام الإيراني.

واعتبرت أن “السعي وراء إنتاج القنبلة الذرية وإثارة الحروب والتدخل في دول المنطقة” يمثل ركنا أساسيا في نهج السلطة الإيرانية، مضيفة أن الحرب تشكل بالنسبة للنظام “درعا” في مواجهة الانتفاضات الشعبية، بينما يمثل السلام الحقيقي ووقف إطلاق النار “سمّا” يهدد استمراره.

وشددت رجوي على أن خلاص الشعب الإيراني لا يتحقق بالحرب الخارجية ولا بالمساومة مع النظام، بل عبر الثورة الديمقراطية وإسقاط نظام ولاية الفقيه على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.

وأكدت رجوي أن المعارضة الإيرانية ترحب بأي تفاهم يوقف الحرب ويخفف معاناة الإيرانيين، لكنها شددت على أن الحل لا يكمن في المساومات الدولية أو في الحروب الخارجية، بل في إسقاط النظام على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.

وقالت إن مستقبل إيران يجب أن يقوم على جمهورية ديمقراطية تضمن الانتخابات الحرة، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، واستقلال القضاء، واحترام حقوق القوميات والأديان، وإيران غير نووية تعيش بسلام مع العالم ودول الجوار.

كما دافعت رجوي عن برنامج المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الذي يقضي بمرحلة انتقالية تنتهي بانتخاب مجلس تأسيسي وتشريعي خلال ستة أشهر من تغيير النظام.

وتكررت الرسالة نفسها في كلمات عدد من المشاركين الدوليين.

سياسة استرضاء الديكتاتوريات لا تنجح

وأكد شارل ميشيل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، أن باريس تمثل رمزاً للحرية والمقاومة وحقوق الإنسان، وأن القضية الإيرانية اليوم تختبر صدقية أوروبا والتزامها بقيمها، وقال إن سياسة استرضاء الديكتاتوريات لا تنجح، لا مع النازية، ولا مع روسيا، ولا مع نظام الملالي في إيران.

وأضاف بأن الاتفاقات الدبلوماسية مع إيران ستظل ناقصة إذا تجاهلت ملف حقوق الإنسان، واعتبر أن تنفيذ أكثر من ألفي حكم إعدام خلال العام الماضي يثبت فشل سياسات الحوار والاسترضاء التي اتبعها الغرب مع طهران طوال العقود الماضية.

ودعا ميشيل إلى ربط أي اتفاق نهائي بضمانات قابلة للتحقق تتعلق بوقف الإعدامات وإطلاق سراح سجناء الرأي واحترام الحريات الأساسية، مشيداً بخطة رجوي ذات النقاط العشر باعتبارها تصوراً لإيران ديمقراطية وعلمانية وغير نووية.

من جهته، أعرب رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون عن أسفه لمنع التظاهرة في باريس، معربا عن صدمته وخيبة أمله من قرار السلطات الفرنسية إلغاء التجمع، مؤكدا أن منع أصوات المعارضة الإيرانية في هذه اللحظة الحساسة خطأ سياسي وأخلاقي.

واعتبر جونسون أن القصف والصواريخ لا يمكن أن يمنحا الإيرانيين الحرية، وأن التغيير الحقيقي يجب أن يأتي من داخل إيران عبر شعب يسعى إلى مستقبل مختلف.

كذلك انتقد جون بيركو قرار الحظر بشدة، معتبرا أنه خدم عمليا مصالح النظام الإيراني، مؤكدا أن الإيرانيين لا يريدون العودة إلى حكم الشاه كما لا يريدون استمرار حكم الملالي، بل يتطلعون إلى نظام ديمقراطي تعددي.

أمن أوروبا

وشدد وزير الخارجية الكندي الأسبق جون بيرد على أن الخيار المطروح يجب أن يكون جمهورية ديمقراطية لا مكان فيها لا للديكتاتورية الدينية ولا للامتيازات الوراثية.

بدوره، ربط دميترو كوليبا بين تجربة أوكرانيا في مواجهة الحرب الروسية وبين نضال الإيرانيين ضد النظام الحاكم، مشيراً إلى أن الطائرات المسيّرة من طراز شاهد المستخدمة في الحرب ضد أوكرانيا تعود في جزء منها إلى التكنولوجيا الإيرانية، ما يجعل القضية الإيرانية قضية تمس أمن القارة الأوروبية والأمن الدولي.

نعم للانتفاضة

من جانبها قالت كريستين أريغي، النائبة في الجمعية الوطنية الفرنسية ورئيسة اللجنة البرلمانية من أجل إيران ديمقراطية، إن هذه التظاهرة كانت ستجسد صوت الشعب الإيراني في مواجهة طريقين فاشلين: الحرب والمساومة.

وأوضحت أن الرسالة القادمة من إيران، عبر إعدامات ناشطي وحدات المقاومة والشباب المعتقلين بعد مجزرة يناير، تقول: “لا للحرب، لا للمساومة، نعم للانتفاضة”، وانتقدت بشدة قرار منع التظاهرة في باريس، معتبرة أنه “لا يليق بفرنسا، وطن حقوق الإنسان، أن تمنع تجمعا سلميا يدعم شعبا يسعى إلى التحرر من ديكتاتورية دموية”.

وترافقت هذه المواقف مع تحذيرات حقوقية متزايدة، فقد دعت منظمة العفو الدولية السلطات الإيرانية إلى الوقف الفوري وغير المشروط لعمليات الإعدام بحق المعارضين والمتظاهرين، محذرة من استخدام عقوبة الإعدام كأداة سياسية لقمع الاحتجاجات الشعبية.

وبينما تستمر المفاوضات الأميركية الإيرانية خلال الأسابيع المقبلة، بدا أن باريس شهدت، في يوم واحد، ثلاثة نقاشات متوازية: نقاشا حول مستقبل الاتفاق النووي وشروط رفع العقوبات، ونقاشاً حول حدود حرية التظاهر في فرنسا، ونقاشا أوسع حول ما إذا كانت المعارضة الإيرانية العلمانية المنظمة قادرة على تقديم نفسها بديلا سياسيا قابلا للحياة.

وفي ختام مؤتمر “إيران الحرة 2026″، خرجت رسالة مشتركة من المشاركين بأن الحرب لم تنتج حلا، وأن المساومة لم توقف القمع، وأن مستقبل إيران، في نظرهم، يمر عبر دعم الشعب الإيراني وحقه في اختيار نظام ديمقراطي يطوي صفحة الصراع النووي والإقليمي ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار داخل إيران وفي المنطقة.