مخاوف إيرانية من تصدّع الجبهة الداخلية بسبب الاتفاق مع واشنطن

وكالة أنباء حضرموت

لا تبدو المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة مجرد اختبار للعلاقة بين خصمين تاريخيين، بل تمثل أيضا اختبارا معقدا لتماسك النظام السياسي الإيراني نفسه. فبينما تسعى حكومة الرئيس مسعود بزشكيان إلى استثمار فرصة التهدئة مع واشنطن لتخفيف الضغوط الاقتصادية والأمنية، تبرز في المقابل مخاوف متزايدة من أن يتحول الاتفاق إلى مصدر انقسام داخلي بين مؤسسات الحكم والتيارات السياسية المختلفة.

وجاء تحذير بزشكيان من الخطابات التي تثير الانقسام في أول تصريح له بعد انطلاق المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة، ليعكس إدراكا واضحا لحساسية المرحلة داخل إيران أكثر مما يعكس قلقا من الموقف الأميركي. فالرئيس الإيراني يدرك أن العقبة الرئيسية أمام أي تفاهم ليست بالضرورة على طاولة المفاوضات، وإنما داخل المؤسسة السياسية الإيرانية التي تضم أطرافا تتباين حساباتها ومصالحها تجاه الانفتاح على واشنطن.

وتتميز الجمهورية الإسلامية ببنية حكم فريدة تجعل الحكومة والرئاسة في واجهة المشهد التنفيذي والدبلوماسي، بينما تبقى القرارات الإستراتيجية الكبرى بيد المرشد الأعلى والمؤسسات المرتبطة به وفي مقدمتها الحرس الثوري. وهذه المعادلة تجعل أي رئيس إيراني يتحمل عمليا مسؤولية النتائج السياسية والاقتصادية للقرارات الكبرى دون أن يمتلك دائما سلطة حسمها بشكل مستقل.

ولهذا السبب يبدو بزشكيان حريصا على تأكيد أن الوفد الإيراني دخل المفاوضات دون تقديم تنازلات، في رسالة موجهة إلى الداخل قبل الخارج. فالتفاوض مع الولايات المتحدة ظل لعقود ملفا شديد الحساسية في الخطاب الرسمي الإيراني، حيث جرى تصوير واشنطن باعتبارها “الشيطان الأكبر” ورمز الهيمنة الغربية. وبالتالي فإن أي مرونة سياسية تجاه الأميركيين تحتاج إلى غطاء داخلي يحول دون استغلالها من قبل خصوم الحكومة.

ويعكس موقف المرشد الأعلى علي خامنئي جانبا مهما من هذه المعادلة. فرغم موافقته على المسار التفاوضي، حرص على التأكيد أن الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي يتحملان المسؤولية الكاملة عن نتائج مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. ويقرأ كثير من المراقبين هذا الموقف باعتباره محاولة استباقية للفصل بين قرار السماح بالمفاوضات وبين تحمل تبعاتها السياسية المحتملة.

ولا يمثل هذا السلوك استثناء في التجربة الإيرانية. فخلال المفاوضات التي قادت إلى الاتفاق النووي عام 2015، جرى تقديم الحكومة آنذاك باعتبارها صاحبة المشروع التفاوضي، بينما احتفظت مؤسسات النظام الأساسية بمسافة سياسية تتيح لها الدفاع عن الاتفاق إذا نجح أو انتقاده إذا تعثر. وتبدو هذه الصيغة مرشحة للتكرار في المرحلة الحالية.

تبرؤ مبكر من المسؤولية ظهر في مواقف المرشد التي وضعت عبء نتائج الاتفاق على الرئيس بزشكيان وفريقه الحكومي

ويضاف إلى ذلك أن الحرس الثوري، الذي يعد القوة الأكثر نفوذا داخل النظام، لا يرغب في الظهور بوصفه الطرف الذي يقود عملية التقارب مع الولايات المتحدة، لما لذلك من انعكاسات على صورته الأيديولوجية وعلى شبكة حلفائه الإقليميين. لكنه في الوقت نفسه يدرك أن تخفيف العقوبات أو تقليص احتمالات المواجهة العسكرية يمكن أن يوفر بيئة أكثر استقرارا تخدم مصالح الدولة ومصالح المؤسسات الاقتصادية المرتبطة به.

ومن هنا تنشأ معادلة معقدة: فمراكز القوة الرئيسية لا تريد تحمل الكلفة السياسية للمفاوضات، لكنها لا تمانع في الاستفادة من نتائجها إذا أسفرت عن تخفيف الضغوط الدولية أو إنهاء حالة الاستنزاف التي فرضتها المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتزداد حساسية هذه الحسابات في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه إيران. فسنوات العقوبات والعزلة والتوترات الإقليمية تركت آثارا واضحة على الاقتصاد ومستويات المعيشة. ولذلك ينظر قطاع واسع من الإيرانيين إلى المفاوضات باعتبارها فرصة لتحسين الأوضاع الاقتصادية أكثر من كونها تحولا إستراتيجيا في السياسة الخارجية. لكن هذا التطلع الشعبي يضع الحكومة أيضا تحت ضغط إضافي، لأن أي فشل في تحقيق نتائج ملموسة قد يتحول إلى عبء سياسي عليها.

وفي المقابل، تراهن الحكومة على أن أي تقدم في المفاوضات سيعزز موقعها داخليا ويمنحها هامشا أوسع لإدارة الملفات الاقتصادية. ولهذا سارع وزير الخارجية عباس عراقجي إلى الحديث عن “تقدم مهم” في الجولة الأولى من المحادثات، كما تحدثت كل من قطر وباكستان، اللتين تضطلعان بدور الوساطة، عن مؤشرات إيجابية وقرار بمواصلة التفاوض عبر آليات فنية وسياسية جديدة.

لكن حتى في حال نجاح المسار التفاوضي، فإن التحدي الأكبر سيبقى مرتبطا بكيفية تسويق الاتفاق داخل إيران. فالمؤسسة الحاكمة مطالبة بإقناع الرأي العام المحافظ بأن التفاهم مع واشنطن لا يمثل تراجعا عن المبادئ الأساسية للنظام، وفي الوقت نفسه مطالبة بإقناع الشارع الإيراني بأن الاتفاق قادر فعلا على تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية ملموسة.

وتشير المؤشرات الحالية إلى أن القيادة الإيرانية تحاول إدارة هذا التناقض عبر توزيع الأدوار. فالحكومة تتولى مهمة التفاوض والدفاع عنه، بينما يحتفظ المرشد والحرس الثوري بموقع المراقب والداعم المشروط. وتمنح هذه الصيغة القيادة العليا هامشا واسعا للمناورة؛ فإذا نجح الاتفاق أمكن تقديمه باعتباره ثمرة صمود النظام ووحدة مؤسساته، أما إذا فشل فستكون الحكومة هي الحلقة الأسهل لتحميلها المسؤولية.

وفي المحصلة، لا يبدو مستقبل الاتفاق الإيراني – الأميركي مرهونا فقط بما سيجري في قاعات التفاوض السويسرية، بل أيضا بما سيحدث داخل طهران نفسها. فكلما اقترب الطرفان من تفاهمات أوسع، ازدادت الحاجة إلى إدارة التوازنات الدقيقة بين مؤسسات النظام. ولذلك فإن الخطر الحقيقي الذي تخشاه القيادة الإيرانية ليس التفاوض بحد ذاته، وإنما احتمال أن يتحول الجدل حوله إلى شرخ داخلي يهدد وحدة الجبهة السياسية في مرحلة تعتبرها طهران من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات.