قبل 140 عاما.. تمثال الحرية يصل إلى نيويورك مفككا

وكالة أنباء حضرموت

في صباح 17 يونيو/حزيران 1885، شهد ميناء نيويورك لحظة تاريخية فارقة بوصول واحدة من أشهر الهدايا السياسية والثقافية في التاريخ الحديث.

فعلى متن سفينة قادمة من فرنسا، وصلت أجزاء تمثال الحرية في 350 قطعة منفصلة، معبأة في أكثر من 200 صندوق ضمت مئات القطع المعدنية التي ستتحول لاحقاً إلى الرمز الأشهر للحرية والديمقراطية في العالم.

ولم يكن وصول التمثال مجرد عملية شحن عابرة، بل بداية رحلة استثنائية نقلت عملاً فنياً صُمم في باريس إلى مكانة أسطورية في الوجدان الأمريكي والعالمي، وفقا لموقع قناة «هيستوري».

تحديات
جاء مشروع التمثال ثمرة تعاون فرنسي-أمريكي هدفه الاحتفاء بقيم الحرية والاستقلال وتعزيز الروابط بين البلدين، غير أن الطريق إلى إنجاز المشروع لم يكن سهلاً، إذ واجه القائمون عليه تحديات مالية كبيرة أخرت استكماله سنوات عدة.

ففي فرنسا، قاد النحات فريدريك أوغست بارتولدي حملات واسعة لجمع التبرعات، شملت فعاليات عامة ومزادات وأنشطة شعبية متنوعة، حتى تمكن من تأمين التمويل اللازم لبناء التمثال.

أما الهيكل الداخلي فقد صممه المهندس الفرنسي غوستاف إيفل، الذي سيصبح لاحقاً أحد أشهر مهندسي العالم بفضل برج إيفل الشهير.

وفي الولايات المتحدة، واجهت السلطات صعوبة مماثلة في تمويل القاعدة العملاقة التي سيقام عليها التمثال في جزيرة بيدلو، المعروفة اليوم باسم جزيرة الحرية.

لكن حملات التبرعات الشعبية نجحت في توفير التمويل المطلوب، ليصبح المشروع في جوهره إنجازاً شارك فيه المواطنون على جانبي المحيط الأطلسي قبل أن يكون مشروعاً حكومياً.

وبعد وصول الأجزاء إلى نيويورك، استغرقت عملية إعادة التجميع أشهراً طويلة، قبل أن يقف التمثال شامخاً عند مدخل الميناء بارتفاع جعله أحد أبرز المعالم الهندسية في عصره.

رمز عالمي
وفي الثامن والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 1886، دُشن التمثال رسمياً بحضور الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت، غروفر كليفلاند، الذي أكد في كلمته أن الولايات المتحدة لن تنسى أبداً أن الحرية وجدت في هذا المكان موطناً لها.

ومع مرور السنوات، تجاوز تمثال الحرية وظيفته كنصب تذكاري للصداقة الفرنسية الأمريكية، ليصبح رمزاً عالمياً للأمل والانعتاق.

وقد تعززت هذه المكانة مع افتتاح جزيرة إليس المجاورة عام 1892 كمحطة رئيسية لاستقبال المهاجرين، حيث كان ملايين الوافدين الجدد يشاهدون التمثال قبل أن تطأ أقدامهم الأراضي الأمريكية.

وبالنسبة لكثيرين منهم، مثلت المرأة النحاسية العملاقة التي تحمل مشعلا أول رسالة ترحيب وأول وعد بحياة جديدة.

وزادت أبيات الشاعرة إيما لازاروس، التي نُقشت داخل قاعدة التمثال مطلع القرن العشرين، من حضوره الرمزي، بعدما ربطت بينه وبين قيم استقبال المهاجرين والفارين من الفقر والاضطهاد.

ومنذ ذلك الحين، أصبح تمثال الحرية أكثر من مجرد معلم معماري؛ فقد تحول إلى تجسيد لفكرة أمريكا كما أرادت أن تقدم نفسها للعالم.

ورغم ما تعرض له من تحديات على مدار تاريخه، بدءاً من الأضرار التي لحقت به خلال انفجار "بلاك توم" عام 1916، مروراً بمشروعات الترميم الكبرى، وصولاً إلى الإغلاقات الأمنية التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، حافظ التمثال على مكانته بوصفه أحد أبرز رموز العصر الحديث.

واليوم، وبعد أكثر من 140 عاماً على وصوله مفككاً إلى ميناء نيويورك، لا يزال تمثال الحرية، الذي أطلق عليه بارتولدي اسم "الحرية تنير العالم"، يقف شامخاً عند بوابة المدينة، شاهداً على تعاقب الأجيال وتحولات التاريخ، ومجسداً لقيم الحرية والأمل التي جعلت منه أحد أشهر المعالم الإنسانية على وجه الأرض.