الدبلوماسية الإعلامية رافعة سياسية واقتصادية جديدة بين سوريا والإمارات
التقى وزير الإعلام السوري خالد زعرور بسفير دولة الإمارات العربية المتحدة في دمشق، حمد راشد بن علوان الحبسي. اللقاء الذي تجاوز في أبعاده البروتوكولية المعتادة، ركز على ملفين هما الأكثر حيوية في غرف الأخبار العربية اليوم وهما تطوير التشريعات الإعلامية، وصياغة إستراتيجيات مشتركة لمواجهة التضليل الإعلامي.
وأكد زعرور أن وزارته تعمل على ترسيخ مبدأ “المصدر الأول للأخبار” من خلال التعامل الفوري مع الأحداث، للحد من الشائعات والأخبار المضللة وإغلاق المجال أمام التأويلات غير الدقيقة، مشيرا إلى أنه يتم حاليا تشخيص واقع الإعلام السوري، تمهيدا لوضع إستراتيجية شاملة تراعي التحديات والفجوات القائمة، والانطلاق منها للنهوض بالإعلام السوري وتعزيز دوره الوطني.
من جانبه أبدى السفير الإماراتي استعداد بلاده “للتعاون مع الأشقاء في سوريا لتبادل الخبرات والتجارب، بما يخدم تطوير القطاع الإعلامي ويعزز التعاون المشترك بين البلدين”.
ويقول محللون إن هذا اللقاء ليس مجرد نقاش عابر، بل يحمل دلالات سياسية ومهنية بالغة الأهمية لقراءة مستقبل المشهد الإعلامي في المنطقة، خاصة أن الملف الأخطر على طاولة البحث كان “مواجهة التضليل الإعلامي”. وتعيش المنطقة العربية حالياً على صفيح ساخن من الأحداث الميدانية والسياسية، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات “حرب سيبرانية وسردية” موازية للمعارك على الأرض.
وترى دمشق في هذا التعاون فرصة لكسر ما تسميه “العزلة الإعلامية المفروضة” وتبادل الخبرات لصد الهجمات الرقمية والأخبار الزائفة التي تستهدف مؤسساتها.
ويتماشى هذا الطرح مع رؤية أبوظبي الإقليمية التي تقوم على دعم الاستقرار، ومكافحة الفوضى الرقمية، ونشر قيم الاعتدال، وضبط الخطاب الإعلامي العربي ليكون أداة بناء لا أداة تأجيج للاضطرابات.
الدبلوماسية الإعلامية تعد المنصة الأساسية لتهيئة الرأي العام العربي والدولي لقبول ودمج سوريا في محيطها الإقليمي
ويثبت اللقاء مجدداً أن القنوات الدبلوماسية بين دمشق وأبوظبي لم تعد تقتصر على الجوانب السياسية والإغاثية والاقتصادية فحسب، بل تمتد لتشمل “القوة الناعمة”. فالإعلام يمثل المظلة التي تحمي وتسوّق للمشاريع السياسية والاقتصادية المشتركة، حيث تحول من مجرد أداة للتغطية الإخبارية إلى ذراع إستراتيجية تدعم التقارب السياسي والاقتصادي بين البلدين.
وتُعد الدبلوماسية الإعلامية في هذا السياق المنصة الأساسية لتهيئة الرأي العام العربي والدولي لقبول ودمج سوريا في محيطها الإقليمي.
ومن خلال التركيز الإعلامي الإماراتي والسوري المشترك على قيم الاستقرار، والبناء، والمصالح العربية المشتركة، تساهم المنصات الإعلامية في تفكيك الروايات السياسية المضادة، وتقديم دمشق كشريك أساسي في أمن المنطقة، مما يدعم جهود الدبلوماسية الرسمية في تذليل العقبات السياسية.
كما يمثل التعاون بين وزارة الإعلام السورية والمؤسسات الإعلامية الإماراتية خطوة لتنسيق “الدفاع السيبراني الإعلامي”، عبر تبادل الخبرات في رصد الشائعات، وتدريب الكوادر على كشف التزييف، وصياغة خطاب إعلامي متزن يستند إلى الحقائق والتوثيق لمواجهة الطوفان الرقمي المضلل.
ويقول معلقون إنه في مرحلة لاحقة ستتجاوز الدبلوماسية الإعلامية حدود الأخبار السياسية لتصل إلى صناعة الوعي والثقافة من خلال الفن. يتيح هذا التقارب دمج “القوة الإبداعية السورية”مع “القوة التمويلية والتسويقية الإماراتية”. هذا التكامل لا يحيي صناعة الدراما السورية فحسب، بل يمنح أبوظبي منصة لإنتاج محتوى فني هادف وعالي الجودة، يحمل رسائل مشتركة تدعو إلى الاعتدال والتنمية ونبذ التطرف.
في سياق مواز عبرت دمشق عن رغبتها في الاستفادة من التجربة الإماراتية مدفوعة بالقفزة النوعية التي حققتها أبوظبي ودبي في حوكمة الإعلام. فالإمارات لا تمتلك فقط بنية تحتية تكنولوجية عملاقة، بل نجحت في صياغة بيئة تشريعية مرنة وقادرة على تنظيم المحتوى الرقمي، وصناع المحتوى، والذكاء الاصطناعي التوليدي.
وبالنسبة إلى وزارة الإعلام السورية، يمثل هذا التعاون فرصة لتحديث القوانين الإعلامية المحلية ومحاولة الخروج من الأطر التقليدية إلى نماذج أكثر عصرنة قادرة على جذب الاستثمارات الإعلامية وإعادة إحياء الإنتاج البرامجي والدرامي المشترك.
إن تطوير منظومة الإعلام السوري بلمسات تشريعية إماراتية يعني خطوة جديدة نحو دمج المؤسسات السورية الرسمية في المنظومة الإعلامية الخليجية والعربية الأوسع، وتنسيق الخطاب في المحافل العربية مثل “اتحاد إذاعات الدول العربية” ومجلس وزراء الإعلام العرب.
ويؤكد معلقون أن التحدي الحقيقي الآن لن يكون في توقيع مذكرات التفاهم، بل في مدى قدرة الأجهزة التنفيذية على ترجمة هذه الأفكار إلى تحديث حقيقي على الأرض.