«الدرونز» تغير معادلة مكافحة الإرهاب في مالي.. تحول يربك المواجهة
لم تعد المواجهات مع الجماعات المسلحة في مالي تقتصر على الأسلحة التقليدية، بل باتت تعتمد بشكل متزايد على أدوات تكنولوجية منخفضة التكلفة وعالية التأثير، في تطور غير قواعد الاشتباك على الأرض وزاد من تعقيد المشهد الأمني.
وتشهد الساحة الأمنية في مالي تطوراً لافتاً في أساليب القتال، مع إعلان المجلس العسكري عن إنشاء «مناطق ذات أهمية عسكرية» تمنع فيها حركة المدنيين، في ظل تصاعد الهجمات وتبدّل تكتيكات الجماعات المسلحة، التي باتت تعتمد بشكل متزايد على تقنيات حديثة، أبرزها الطائرات بدون طيار «الدرونز».
تطور، اعتبره خبراء في شؤون الأمن الأفريقي ومنطقة الساحل، يمثل نقلة نوعية في طبيعة الصراع، وتحولاً أعمق في طبيعة الحروب غير النظامية في الساحل الأفريقي، حيث تتداخل التكنولوجيا المدنية مع الصراعات المسلحة، ما يجعل احتواء التهديدات أكثر تعقيداً ويستدعي مقاربات أمنية أكثر تطوراً وتنسيقاً.
تكيف تكتيكي
وإلى ذلك، قال الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون الساحل الأفريقي أنطوان جلاسير في حديث لـ«العين الإخبارية» إن إدخال «الدرونز» في العمليات القتالية لدى الجماعات المسلحة يعكس «مرحلة جديدة من التكيف التكتيكي»، موضحاً أن هذه الجماعات لم تعد تعتمد فقط على الكم، بل باتت تركز على تحسين الدقة وزيادة الفاعلية في تنفيذ الهجمات.
وأضاف أن هذا التطور يفرض تحدياً مضاعفاً على الجيوش النظامية، التي تجد نفسها أمام خصم قادر على الجمع بين المرونة الميدانية والتكنولوجيا المتاحة تجارياً.
وأشار إلى أن توسع استخدام الدرون في بيئة مثل مالي يرتبط أيضاً بطبيعة الصراع الممتد وتعدد الفاعلين، حيث تصبح الحدود بين التقنيات المدنية والعسكرية أكثر ضبابية، ما يسمح بإعادة توظيف أدوات بسيطة لأغراض قتالية.
وأوضح أن هذا التطور لا يمكن فصله عن ديناميكية التهريب وانتشار الأسواق غير النظامية في منطقة الساحل، التي توفر للجماعات المسلحة إمكانية الوصول إلى معدات كانت في السابق حكراً على الجيوش.
تحول في اقتصاد الحرب
في السياق نفسه، رأى الباحث المتخصص في قضايا الأمن في الساحل الأفريقي مارتن زون-كيرك في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن استخدام الطائرات الدرونز من قبل الجماعات المسلحة في مالي يعكس «تحولاً في اقتصاد الحرب داخل المنطقة، حيث أصبحت الكلفة المنخفضة والفعالية العالية معياراً أساسياً في اختيار الأدوات القتالية».
وأوضح أن هذه الجماعات تستفيد من التطور العالمي في تكنولوجيا الطائرات الصغيرة، ما يمنحها قدرة على تحسين الاستطلاع وتنسيق الهجمات بشكل أكثر دقة من السابق.
وأضاف زون-كيرك، أن هذا التطور يفرض على الدول في المنطقة إعادة التفكير في استراتيجياتها الدفاعية، ليس فقط عبر تعزيز القدرات العسكرية التقليدية، بل -أيضاً- عبر الاستثمار في أنظمة كشف ومواجهة الطائرات الدرونز، وتطوير تعاون إقليمي أوسع لمراقبة الحدود ومصادر التزويد.
واعتبر أن دخول الطائرات الدرونز إلى ساحة النزاع في مالي لا يمثل مجرد تغيير تقني، بل يعكس تحولاً أعمق في طبيعة الحروب غير النظامية في الساحل الأفريقي، حيث تتداخل التكنولوجيا المدنية مع الصراعات المسلحة، مما يجعل احتواء التهديدات أكثر تعقيداً ويستدعي مقاربات أمنية أكثر تطوراً وتنسيقاً.
تكتيكات الجماعات المسلحة
وكشفت مقاطع مصوّرة نسبت إلى جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (جنيم) عن استخدام غير مسبوق للطائرات الدرونز في توجيه نيران قذائف الهاون بدقة أكبر، مما يعكس تطوراً في أساليب الميدان وقدرة هذه الجماعات على توظيف أدوات منخفضة التكلفة لكنها فعالة عسكرياً.
وكانت قناة «فرانس 24»، قد أشارت إلى أن انتشار استخدام الطائرات بدون طيار (الدرونز) من قبل الجماعات المسلحة يمثل نقلة نوعية في طبيعة العمليات العسكرية في منطقة الساحل، موضحاً أن هذه الأدوات باتت تستخدم في الاستطلاع وتحديد الأهداف وتنسيق الهجمات، ما يمنحها قدرة أكبر على المناورة وتجنب الاستهداف المباشر.
تحديات أمنية متصاعدة
تكمن خطورة هذا التطور في أن الطائرات أصبحت متاحة نسبياً وبكلفة منخفضة، مع إمكانية تعديلها أو إعادة توظيفها لأغراض قتالية، مما يجعلها أداة فعالة في أيدي الجماعات غير النظامية، خاصة في بيئات النزاع المفتوح حيث يصعب فرض رقابة جوية كاملة.
وفي ظل هذه التطورات، تواجه السلطات المالية تحديات متزايدة في ضبط المجال الجوي ومراقبة الاستخدام المتنامي لهذه التقنيات، بالتزامن مع اتساع رقعة العمليات العسكرية، ما يعيد رسم طبيعة الصراع في البلاد ويفرض واقعاً أمنياً أكثر تعقيداً في منطقة الساحل.