العراق في سباق حاسم لإنقاذ صادراته النفطية
يواجه العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، مهلة أقل من شهرين قبل أن يفقد الوسيلة الرئيسية لتصدير الخام، حيث ينتهي الاتفاق الذي يسمح بنقل منتجاته عبر خطي أنابيب إلى تركيا في أواخر يوليو المقبل.
وأصبحت هذه الطرق حيوية لقدرة العراق على تحقيق عائدات من تدفقات نفطه منذ الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز عقب اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر فبراير الماضي.
وحتى ذلك الحين، كان نحو 95 في المئة من النفط الخام العراقي يُنقل عبر هذا الطريق إلى وجهات تصدير رئيسية في آسيا، بما فيها الصين.
وأدى حصار المضيق إلى امتلاء خزانات النفط العراقية بسرعة إلى أقصى طاقتها، ونظرًا لمحدودية خيارات نقل الخام إلى أماكن أخرى، اضطر العراق إلى إغلاق آبار الإنتاج.
وهذا التداخل بين الأزمات الجيوسياسية والاختناقات اللوجستية دفع الإنتاج إلى مستويات متدنية تاريخيًا، وأجبر بغداد على اللجوء إلى حلول مؤقتة محدودة الجدوى، وسط تحذيرات من أضرار طويلة الأمد قد تطال البنية الإنتاجية نفسها، في ظل اعتماد شبه كلي للموازنة على عائدات النفط.
ويرى الكاتب والمحلل سايمون واتكينز في مقال على منصة “أويل برايس” الأميركية أنه كلما طال أمد هذا الوضع، ازداد احتمال إلحاق ضرر دائم بإنتاج النفط العراقي نتيجة انخفاض ضغط الخزانات، وتسرب المياه، والتآكل، وغيرها من العوامل.
ويشير إلى أن هذا يمثل خطرًا وجوديًا على العراق، إذ إن أكثر من 90 في المئة من ميزانيته السنوية تاريخيًا لا تزال تعتمد على النفط. وتساءل قائلا “كيف وصل العراق إلى هذه الحالة، وما هي خياراته الآن؟”.
ويعود أصل هذه الكارثة التي يمر بها العراق إلى حكم محكمة التحكيم الدولية الصادر في مارس 2023، والذي قضى بدفع تركيا لبغداد 1.5 مليار دولار كتعويضات لخرقها “اتفاقية خط أنابيب النفط الخام” لعام 1973.
ونتج هذا عن سماح أنقرة لإقليم كردستان العراق، بتجاوز بغداد، وتصدير النفط بشكل مستقل، وبموجب اتفاقية منفصلة أبرمت بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان عام 2014.
وكان على الإقليم إرسال النفط المنتج في منطقته، أي 550 ألف برميل يوميًا آنذاك، إلى حكومة بغداد لبيعه عبر المؤسسة الحكومية لتسويق النفط.
في المقابل، كانت الحكومة العراقية ترسل للإقليم نسبة مئوية من إيرادات الميزانية المركزية شهريًا تقدر بنحو 17 في المئة.
وقد منعت بغداد الإقليم من بيع النفط بشكل مستقل عن هذه الاتفاقية، إذ اعتقدت أن العائدات الهائلة المحتملة ستُستخدم كتمويل لتأمين استقلال كردستان الكامل عن العراق، وهو ما ثبت صحته، كما تم تحليله في كتاب واتكينز حول النظام العالمي الجديد لسوق النفط.
وبعد صدور حكم محكمة التحكيم لصالح بغداد في مارس 2023، فعّلت تركيا بندًا في العقد في يوليو 2025، يُلزم العراق بإشعار مسبق مدته عام واحد بإنهاء الاتفاقية التي استمرت 52 عامًا بشكل دائم، اعتبارًا من 27 يوليو 2026.
ومع إغلاق المضيق، انخفض إنتاج العراق من النفط في أبريل إلى متوسط 1.38 مليون برميل يوميًا، مقارنةً مع 3.47 مليون برميل يوميًا من يناير 2002 حتى نهاية مارس الماضي، وأكثر من 4.1 مليون برميل يوميًا في الأشهر الثلاثة التي سبقت حرب إيران.
وكانت آخر مرة انخفض فيها الإنتاج إلى المستوى الحالي عقب الغزو الأميركي عام 2003. وردًا على ذلك، بدأت بغداد بنقل النفط للتصدير بأي وسيلة ممكنة، معظمها عبر شاحنات صهريجية برية.
ومنذ ذلك الحين، وصل عدد الشاحنات المستخدمة إلى نحو 500 شاحنة يوميًا، تحمل كل منها في المتوسط، ما بين 200 و250 برميلًا من النفط.
مليون برميل يوميا صادرات الخام هبوطا من أكثر من 4 ملايين يوميا قبل اندلاع حرب إيران
ومع ذلك، فإن هذه الكميات لا تكفي بأي حال من الأحوال لضمان بقاء بغداد اقتصاديًا، لذا تعمل في الوقت نفسه على إصلاح خط أنابيب النفط القديم بالكامل، والذي كان يمتد من محافظة كركوك إلى ميناء جيهان التركي.
وكان الخط يمتد شمال غربًا من حقل كركوك كي 1 عبر محافظتي صلاح الدين ونينوى، وصولًا إلى مدينة فيشخابور الحدودية.
ويتكون خط أنابيب كركوك – جيهان الأصلي، أو خط أنابيب العراق – تركيا، من أنبوبين، تبلغ طاقتهما النظرية مجتمعة 1.6 مليون برميل يوميًا، موزعة بين 1.1 مليون برميل يوميًا للخط الأول و500 ألف برميل يوميًا للخط الثاني.
وبلغت قدرة تصدير خط الأنابيب هذا، الذي تديره وزارة النفط العراقية، ما بين 250 ألفا و400 ألف برميل يومياً عند تشغيله بشكل طبيعي.
ولكن حتى قبل دخول تنظيم داعش إلى الصورة في عام 2014، كان خط الأنابيب عرضة لهجمات متكررة ومستمرة من قبل مختلف الجماعات المسلحة السنية العاملة في المنطقة.
وبغض النظر عن أي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، تمضي بغداد قدماً في مشروع خط أنابيب كركوك – نينوى كجزء من خط أنابيب النفط الخام العراقي – التركي الممتد إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط، وهو مشروع مستقل عن حكومة إقليم كردستان.
وعلاوة على ذلك، لا يُعد خط كركوك – نينوى مشروعاً قائماً بذاته، بل هو الجزء الشمالي الحيوي من الشبكة الاتحادية المُعاد تأهيلها، مُثبتاً وجود الأنابيب اللازمة لنقل النفط حول أراضي حكومة إقليم كردستان وتوصيله مباشرة إلى معبر فيشخابور الحدودي.
وتعكس الطاقة التصميمية البالغة 350 ألف برميل يومياً لهذا الجزء من هذا الخط نهج وزارة النفط الحذر والمتدرج، إذ لا يمكنها اختبار الطاقة الاسمية الكاملة للنظام القديم البالغة 1.6 مليون برميل يومياً دفعة واحدة.
ويُتيح افتتاح خط الأنابيب هذا، البالغ طاقته 350 ألف برميل يوميًا، لبغداد استيعاب الكمية التجريبية الأولية المستهدفة من نفط كركوك الخام، والتي تتراوح بين 150 ألفًا و250 ألف برميل يوميًا، بسهولة الشهر المقبل.
وعلاوة على ذلك، بمجرد اكتمال ممر البصرة الجنوبي – حديثة، سيرتبط بخط كركوك – نينوى – فيشخابور الذي تم افتتاحه حديثًا، مما يُتيح تدفقًا سلسًا وعالي الحجم من الخليج العربي إلى تركيا – على الأقل، هذه هي الفكرة.
ومن جهة أخرى، ومنذ ظهور مشاكل في خط أنابيب الغاز، واصلت حكومة إقليم كردستان صيانة خط أنابيبها أحادي المسار، من حقل طقطق مرورًا بخرمالة، والذي يتصل بخط أنابيب كركوك – جيهان في مدينة فيشخابور الحدودية.
تركيا تتمتع بنفوذ كبير في مفاوضات تجديد الاتفاق، حيث تطالب برسوم عبور أعلى والتزامات استثمارية وشراكات أوسع
وكانت الطاقة الاستيعابية لهذا الخط 700 ألف برميل يوميًا، ثم رُفعت إلى مليون برميل يوميًا، رغم أنه لم يصل حتى الآن إلا إلى 900 ألف برميل يوميًا.
وبحسب واتكينز، تكمن المشكلة بالنسبة لحكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية للصناعات في أن خطي الأنابيب هذين مشمولان بمعاهدة عام 1973 مع تركيا، ومن المقرر إغلاقهما في 27 يوليو، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق مع أنقرة.
ولكن الأتراك يدركون تمامًا قوة موقفهم التفاوضي في هذه المفاوضات، ويضغطون من أجل “كل تنازل ممكن”، حسب ما صرح به مصدر رفيع في قطاع طاقة يعمل عن كثب مع وزارة النفط العراقية حصريًا لأويل برايس مؤخرا.
وقال المصدر، الذي لم تُكشف هويته، “لقد طالبوا بمشاريع مشتركة متعددة المستويات في قطاع الطاقة، وطالبوا بإبرام اتفاقية تعوض كامل مبلغ 1.5 مليار دولار الذي فرضته عليهم محكمة التحكيم، والذي لا يزالون مدينين به لبغداد من الناحية الفنية”.
وتابع “بالإضافة إلى ذلك، تطالب تركيا برفعٍ كبيرٍ في الرسوم الجمركية الثابتة التي تتراوح حاليًا بين دولار أميركي واحد و1.25 دولار على كل برميل نفط يُضخ عبر خط الأنابيب الخاضع لسيطرة بغداد”.
واستطرد “يطالب العراق بالالتزام بضخ كميات كبيرة ومستمرة يوميًا عبر خط الأنابيب، مع فرض غراماتٍ تُعادل قيمة البرميل في حال عدم استهلاك الكمية بالكامل”.
ويرى واتكينز أن كل هذا يقود إلى طبيعة الضغوط والغايات التي ستسعى القوى العظمى الداعمة لكل طرف – الغرب في ما يتعلق بإقليم كردستان العراق، والصين وروسيا في ما يتعلق ببغداد – إلى ممارستها على تركيا.