حماس تبحث في القاهرة استكمال اتفاق وقف النار والتحضير للمرحلة الثانية
تجري حركة حماس في العاصمة المصرية القاهرة مشاورات سياسية مكثفة مع الوسطاء المصريين وعدد من الفصائل الفلسطينية، في إطار جهود تهدف إلى استكمال تنفيذ ما تبقى من التزامات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في قطاع غزة، إلى جانب التحضير للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وسط تحديات سياسية وميدانية معقدة لا تزال تعيق تثبيت التهدئة بشكل كامل.
وقالت الحركة في بيان الثلاثاء إنها عقدت سلسلة لقاءات مع الوسطاء والفصائل الفلسطينية في القاهرة، تناولت متابعة تنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق “شرم الشيخ”، إضافة إلى مناقشة ترتيبات المرحلة الثانية في ضوء المقترحات المطروحة، بما في ذلك تلك المرتبطة بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تشكل الإطار المرجعي للمرحلة الانتقالية المقبلة.
وأكدت حماس أنها تتعامل مع هذه المشاورات “بمسؤولية وإيجابية عالية”، مشيرة إلى أنها حريصة على إنجاح الجهود الجارية للتوصل إلى اتفاق شامل ومستقر.
كما أوضحت أنها ستقدم ردها النهائي على المقترحات بعد استكمال المشاورات الداخلية مع قيادتها ومع الفصائل الفلسطينية المختلفة، في محاولة لصياغة موقف موحد إزاء المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه التحركات في سياق سياسي حساس يشهده ملف غزة منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، والذي أنهى حربًا استمرت عامين منذ أكتوبر 2023، وخلفت دمارًا واسعًا في البنية التحتية لقطاع غزة، إضافة إلى خسائر بشرية كبيرة وأزمة إنسانية غير مسبوقة. وقد شكل الاتفاق حينها اختراقًا مهمًا، لكنه ظل هشًا في ظل استمرار الخلافات حول تفسير وتنفيذ بنوده.
وشملت المرحلة الأولى من الاتفاق وقفًا شاملًا لإطلاق النار، وتبادلًا للأسرى بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، إلى جانب فتح معبر رفح لإدخال المساعدات الإنسانية، في محاولة لتخفيف الأوضاع الكارثية داخل القطاع. غير أن هذه المرحلة لم تُنفذ بالكامل وفق ما كان مخططًا له، إذ تتهم حماس إسرائيل بعدم الالتزام الكامل ببنود الاتفاق، في حين تتهم إسرائيل الحركة بخرق بعض التفاهمات.
وتشير تقارير ميدانية إلى استمرار خروقات متفرقة للهدنة، بما في ذلك عمليات قصف وإطلاق نار أسفرت عن مئات الضحايا الفلسطينيين خلال الأشهر الماضية، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني وصعوبة تثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم دون تفاهمات أوسع.
المرحلة الثانية من الاتفاق تتضمن عدة بنود رئيسية، من بينها تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة بشكل مؤقت، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وإنشاء مجلس للسلام، ونشر قوة دولية في القطاع.
وفي هذا السياق، تسعى حماس من خلال مشاورات القاهرة إلى تثبيت ما تم الاتفاق عليه في المرحلة الأولى، باعتباره شرطًا أساسيًا للانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تُعد أكثر تعقيدًا من حيث الملفات المطروحة، وتشمل قضايا سياسية وأمنية وإدارية شديدة الحساسية.
وتتضمن المرحلة الثانية من الاتفاق، وفق الإطار العام المطروح، عدة بنود رئيسية، من بينها تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة بشكل مؤقت، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وإنشاء مجلس للسلام، ونشر قوة دولية في القطاع، إضافة إلى الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية، وفتح نقاش حول ملف نزع سلاح حماس، وهو أحد أكثر الملفات حساسية وخلافًا بين الأطراف.
ورغم بدء بعض الخطوات الأولية، مثل تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية تعمل من القاهرة، والبدء في ترتيبات إنشاء قوة دولية، إلا أن ملفات جوهرية لا تزال عالقة، وعلى رأسها مستقبل السلاح في غزة، وآليات إعادة الإعمار، ومدى الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وهي قضايا ترتبط مباشرة بتوازنات إقليمية ودولية معقدة.
وتلعب القاهرة دورًا محوريًا في هذا المسار، من خلال استضافة اللقاءات وتنسيق الجهود بين الأطراف المختلفة، في محاولة للحفاظ على استمرارية اتفاق وقف إطلاق النار ومنع انهياره.
وتحرص مصر على دفع الأطراف نحو صيغة توافقية تضمن تثبيت التهدئة وتفتح المجال أمام مسار سياسي أكثر استقرارًا، رغم صعوبة التحديات القائمة.
وتؤكد حماس في هذا السياق على ضرورة إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها الكاملة في المرحلة الأولى، معتبرة أن أي تقدم نحو المرحلة الثانية يجب أن يستند إلى تطبيق فعلي لبنود الاتفاق، وليس إلى تفاهمات جزئية أو انتقائية. كما تشدد على أهمية الدور الذي يلعبه الوسطاء في ضمان التزام جميع الأطراف بالاتفاق.
وفي المقابل، تواجه هذه الجهود تحديات كبيرة، ليس فقط بسبب الخلافات السياسية، بل أيضًا نتيجة الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة، حيث تشير تقديرات دولية إلى أن نحو 90 في المئة من البنية التحتية المدنية تعرضت لأضرار جسيمة، فيما قدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، ما يجعل ملف الإعمار أحد أعقد الملفات في المرحلة المقبلة.
وبينما تستمر المشاورات في القاهرة، يبقى مستقبل الاتفاق مرهونًا بمدى قدرة الأطراف على تجاوز نقاط الخلاف الجوهرية، وتحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية على الأرض.
وفي ظل غياب الثقة الكاملة بين الأطراف، واستمرار التوترات الميدانية، يظل المسار التفاوضي هشًا، مع احتمال استمرار حالة اللااستقرار ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل يضمن إنهاء الحرب وفتح مسار سياسي واضح لمرحلة ما بعد الصراع.