اليسار الفرنسي ورئاسيات 2027.. انقسامات تهدد فرص الوصول للإليزيه

وكالة أنباء حضرموت

صراع داخلي يشهده يسار الوسط الفرنسي، الذي يكافح لتحديد مساره نحو السلطة قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2027.

وتهدد الانقسامات العميقة داخل الحزب الاشتراكي الفرنسي، والتي عرقلته خلال الانتخابات البلدية الأخيرة، بتقويض آماله في الفوز بالرئاسة عام 2027.

ويعاني هذا التيار الذي كان يتمتع بنفوذ كبير، من أزمة هوية تشبه تلك التي تواجهها أحزاب يسار الوسط في جميع أنحاء أوروبا، وفقا لما ذكرته مجلة "بوليتيكو" الأمريكية.

وأشارت المجلة إلى أن الخلافات داخل اليسار الفرنسي تجعله عاجزا عن الاتفاق على آلية اختيار مرشح يخوض الانتخابات الرئاسية العام المقبل والتي من المرجح أن يفوز بها أقصى اليمين.

ذروة الخلاف
وقد بلغ الخلاف ذروته، مما دفع بوريس فالو، الرجل الثاني في الحزب الاشتراكي، إلى التهديد علنًا بالاستقالة وذلك خلال مقابلة مع صحيفة "لو باريزيان" نشرت يوم الثلاثاء الماضي قبل ساعات من اجتماع حزبي وصفه أحد المشاركين بأنه "متوتر بعض الشيء".

ومن المرجح أن تحدد الخطوات القادمة للحزب الاشتراكي نجاحه أو فشله في صناديق الاقتراع، خاصة بعدما أظهر أداؤه المتواضع في انتخابات الشهر الماضي دليلاً إضافياً على ضرورة اختيار الحزب بين أن يكون قوة معتدلة من يسار الوسط أو حركة تقدمية صريحة أقرب إلى حزب "فرنسا الأبية" المناهض للرأسمالية وزعيمه المثير للجدل، جان لوك ميلانشون.

أما إذا استمر الاشتراكيون في محاولة التوفيق بين الطرفين، مثلما حدث خلال الانتخابات البلدية الأخيرة فإنهم يخاطرون بالتهميش بين الوسطيين الذين تعاونوا معهم لإقرار الميزانية واليسار المتشدد، الذين شكلوا معه شراكات في العديد من الانتخابات المحلية الشهر الماضي.

وقال رشيد تمال، عضو مجلس الشيوخ الاشتراكي: "الفرنسيون لا يفهموننا.. فيما يتعلق بالميزانية، اتبعنا نهجاً مسؤولاً وتعاونا مع حكومة يمين الوسط ثم نعود ونتعاون مع حزب فرنسا الأبية".

تدني الشعبية
ويعاني الاشتراكيون من صعوبة تحديد خط سياسي واضح منذ أن غادر الرئيس السابق فرانسوا أولاند منصبه عام 2017 وسط تدني شعبيته بشكلٍ كبير.

وفي محاولة لتوسيع قاعدة الحزب في الانتخابات العامة الأخيرة، خاض زعيم الحزب، أوليفييه فور، الانتخابات إلى جانب حزب "فرنسا الأبية" ضمن ائتلاف يساري واسع.

لكن ميلانشون زعيم "فرنسا الأبية" (74 عاما) واجه مؤخرا انتقادات واسعة بسبب مزاعم معاداة السامية ورد فعله غير المبالي على وفاة ناشط من أقصى اليمين مما دفع الاشتراكيين إلى إعلان تبرؤهم منه قبل انتخابات الشهر الماضي.

لكن هذا الموقف لم يستمر، ففي المدن الرئيسية التي لم يحقق فيها الحزب الأداء المأمول في الجولة الأولى، تحدى مرشحو يسار الوسط رغبات قادتهم وشكلوا تحالفات انتخابية مع "فرنسا الأبية".

واحتفظ مرشحو يسار الوسط بمجالس بلديتي باريس ومرسيليا، لكن النتائج في مختلف أنحاء فرنسا كانت متباينة بالنسبة للتحالفات والاشتراكيين أنفسهم.

وفي حين صور البعض هذه النتائج على أنها سلسلة من "الانتصارات الرائعة لرؤساء البلديات الاشتراكيين" التي تجعل النجاح الجماعي في 2027 "في متناول اليد"، اتخذ فالو نبرة أقل تفاؤلاً. وقال لصحيفة "لو باريزيان" إنه "رغم أن الاشتراكيين لم يخسروا الانتخابات البلدية، إلا أننا سنكون مخطئين إذا اعتقدنا أننا فزنا بها".

ويمثل كل من فور وفالو رؤيتين متناقضتين لمستقبل الاشتراكيين، وتعكس آراؤهما المتباينة حول كيفية اختيار مرشح لانتخابات 2027 هذا التناقض.

ويرغب فور في التوجه نحو اليسار، ويسعى لإجراء انتخابات تمهيدية واسعة النطاق، باستثناء حزب "فرنسا الأبية لاختيار مرشح واحد لسباق الإليزيه لعام 2027 من بين الاشتراكيين والخضر والشيوعيين وأحزاب اليسار الأخرى، وهو توجه يقول مؤيدوه إنه سيزيد من فرص وصول مرشح يساري إلى الجولة الثانية.

ويعتقد كثيرون أن شعبية رئيس حزب التجمع الوطني من أقصى اليمين جوردان بارديلا، في استطلاعات الرأي تضمن له فعلياً مكاناً في النهائي، حتى في هذه المرحلة المبكرة.

وقال أحد البرلمانيين الموالين لفور: "هناك وهم بأننا سنفوز من خلال إعادة الأشخاص الذين صوتوا لماكرون مرتين إلى صفوفنا، رغم أنهم لم يدعموا اليسار لأكثر من عقد من الزمان.. بينما قد يمنح الاستماع إلى تطلعات اليسار للوحدة فرصةً للفوز على الأقل."

في المقابل، يعتقد فالو أن الحزب بحاجة إلى مرشح معتدل خاص به قادر على استقطاب ناخبي الوسط، بدلاً من المشاركة في انتخابات تمهيدية قد تجبرهم على دعم شخصية أكثر راديكالية من خارج حزبهم.

وقال أحد المقربين من فالو: "سيحصل كل من حزب الخضر والشيوعيين وحزب الجمهوريين المحافظ على مرشحهم الداخلي قبل الصيف باستثناء حزبنا."

ويبدو أن فالو يمثل الأغلبية حاليًا، حيث لا يزال العديد من الاشتراكيين غاضبين من تراجع فور الواضح عن العمل مع حزب فرنسا الأبية، الشهر الماضي.

الوقت ينفد
ومع غياب مرشح توافقي واستراتيجية محددة، فإن الوقت ينفد خاصة بعدما أظهر استطلاع رأي نشر أمس أن إدوارد فيليب، رئيس الوزراء السابق المنتمي ليمين الوسط، بدأ يبرز كأقرب المرشحين لخوض جولة الإعادة إلى جانب بارديلا.

وبشكل عام، كان أداء اليسار ضعيفًا في الاستطلاع، فقد أظهر أن جولة إعادة بين ميلانشون وبارديلا ستشهد خسارة زعيم حزب فرنسا الأبية بنسبة 28.5% مقابل 71.5%، وقال ثلث المشاركين إنهم لن يدلوا بأصواتهم في مثل هذه الانتخابات.

أما المرشح المحتمل الآخر، عضو البرلمان الأوروبي المنتمي ليسار الوسط رافائيل غلوكسمان، فيبدو وضعه أفضل قليلًا، لكنه -أيضًا- في طريقه للخسارة أمام بارديلا بفارق كبير إذا ما تأهل كلاهما للجولة الثانية.

أما السيناريو الوحيد الذي يترشح فيه فور، فيكشف الاستطلاع حصوله على 4.5% فقط من الأصوات، في حين لم يتم اختبار ترشيح فالو.