الحرب الاقتصادية الهجينة.. استراتيجية أمريكية بلا عقيدة
تتبنّى الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة نهجاً متزايداً في استخدام أدواتها الاقتصادية ليس فقط كوسيلة ضغط، بل كأداة حرب متكاملة.
فلم تعد العقوبات مجرد إجراءات مالية أو دبلوماسية، بل أصبحت مدعومة في بعض الحالات بقوة عسكرية مباشرة أو غير مباشرة.
ووفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، يعكس هذا التحول انتقال واشنطن نحو نمط جديد من “الحرب الاقتصادية الهجينة” التي تمزج بين الاقتصاد والأمن.
وفي هذا السياق، وسّعت الإدارة الأمريكية استخدام العقوبات بشكل غير مسبوق، ليس فقط عبر فرض قيود مالية، بل من خلال السعي لتطبيقها ميدانيًا. فقد شمل ذلك اعتراض شحنات نفط، واحتجاز ناقلات بحرية، واستخدام أدوات بحرية مثل القوات البحرية وخفر السواحل لفرض الامتثال للعقوبات. وهذا يمثل تحولًا نوعيًا من مجرد فرض قواعد إلى تنفيذها بالقوة.
كما أن هذا النهج لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها، بل بدأ حلفاؤها في تبني ممارسات مشابهة، ما يعزز من فعالية هذه السياسة على المدى القصير. فمن خلال التنسيق الدولي، يمكن للعقوبات أن تستعيد جزءًا من قوتها التي تآكلت في السنوات الأخيرة نتيجة التفاف بعض الدول عليها أو تطوير بدائل للنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.
مخاطر كبيرة
ويؤكد التحليل أن هذا الغموض قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد يدفع دولًا أخرى إلى الرد بالمثل، سواء عبر احتجاز أصول أمريكية أو فرض إجراءات انتقامية. كما قد يشجع خصوم الولايات المتحدة على تطوير استراتيجيات مضادة، تشمل إنشاء أنظمة مالية بديلة أو استخدام أدوات غير تقليدية للرد، مثل الهجمات السيبرانية أو الضغوط الاقتصادية المضادة.
بالإضافة إلى ذلك، يثير هذا النهج تساؤلات قانونية معقدة، خاصة فيما يتعلق بشرعية استخدام القوة خارج إطار النزاعات العسكرية التقليدية. فاحتجاز سفن أو تعطيل تجارة دول أخرى في غياب حرب معلنة قد يُنظر إليه كتصعيد خطير، ويضعف النظام الدولي القائم على القواعد.
ويرى التحليل أن أحد أبرز التحديات يكمن في أن هذا النوع من “الحرب الاقتصادية” يطمس الحدود بين السلم والحرب، حيث تصبح الإجراءات الاقتصادية ذات طبيعة عسكرية، دون أن تخضع لنفس القيود أو الضوابط. وهذا بدوره يزيد من احتمالات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود.
ومع ذلك، يحذر التحليل من أن هذا التحول ينطوي على مخاطر كبيرة. فغياب إطار واضح أو “عقيدة” تحكم استخدام هذه الأدوات يجعل السياسة الأمريكية عرضة للتخبط أو التوسع غير المنضبط. فحتى الآن، لا توجد قواعد محددة تحدد متى ينبغي استخدام القوة لدعم العقوبات، أو ما هي الحدود القانونية والسياسية لهذا الاستخدام.
تقويض المكانة الاقتصادية
كما يحذر التحليل من أن الاستخدام المكثف لهذه الأدوات قد يؤدي إلى تآكل الثقة في النظام الاقتصادي الدولي، خاصة إذا اعتُبر أنه يُستخدم بشكل انتقائي أو لتحقيق أهداف سياسية ضيقة. وهذا قد يضعف قدرة الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي الذي كانت هي نفسها قد أسسته.
وفي ضوء هذه المخاطر، دعا التحليل إلى ضرورة تطوير عقيدة واضحة للحرب الاقتصادية، تحدد الأهداف والوسائل والحدود. فبدون مثل هذا الإطار، قد تتحول هذه السياسة إلى مصدر لعدم الاستقرار، بدلًا من أن تكون أداة فعالة للردع أو الضغط.
ورغم أن هذا النهج قد يعزز من فعالية العقوبات في المدى القصير، إلا أنه قد يقوض في المدى الطويل المكانة الاقتصادية للولايات المتحدة نفسها. فكلما زادت واشنطن من استخدام نفوذها المالي كسلاح، زادت حوافز الدول الأخرى للبحث عن بدائل، عبر شبكات تجارية ومالية موازية.