أوروبا بين الخرائط والذاكرة: رحلة كاتب ليبي تعيد اكتشاف العالم

وكالة أنباء حضرموت

لا يعتبر أدب الرحلات مجرّد سردٍ لحركة الجسد في الجغرافيا وتنقّل سائح بين المدن، بل هو، في جوهره العميق، اختبار للوعي عندما يلامس حدوده القصوى بين المعروف والمجهول. إنّه كتابة تُفكّك العلاقة بين الذات والعالم، بين الشغف بالاكتشاف، فلا يعود المكان فضاءً محايدًا، بل يتحوّل إلى نص موازٍ يُعاد تأويله في كلّ نظرة وعند كل تذكّر، باعتبار أن السفر لا يقف عند لحظة التنقّل، بل يشمل الذاكرة والاستذكار والكتب والثقافة.

منذ أن خطّ ابن بطوطة رحلته بوصفها دهشة مفتوحة على اختلاف العوالم، وصولًا إلى كلود ليفي شتراوس الذي رأى في الرحلة مساءلةً للثقافة ذاتها، ظلّ هذا الأدب يشتغل كحقل معرفيّ تتقاطع فيه الأنثروبولوجيا بالفلسفة، والخيال بالتاريخ، والذات بالآخر.

إعادة اكتشاف العالم

في هذا الأفق، تتبدّى الرحلة كفعل تفكير قبل أن تكون فعل انتقال، لا يُقاس عمقها بعدد الأمكنة التي تعبرها، بل بقدرتها على ترك الأثر في عمق السؤال عن المكان وما يحمل: من نكون حين نغادر ما نعرف؟ وكيف يعيد الآخر تشكيل صورتنا عن أنفسنا؟ إنّها كتابة تقف عند تخوم اللغة، حيث يتعثّر الوصف أمام كثافة التجربة.

وهو ما ركّزه كتاب “أوروبا من هنا وهناك.. جولات سائح في مدن أوروبية” للكاتب الليبي يسري عبد العزيز بن يعلا، الذي يحمل كل الشغف الممزوج في تلك الرؤية التي تتناقض في اندفاعاتها بين فكرة السياحة والبحث والعمق والاكتشاف، بين ما نقرأ عن المدن وما نكتشفه بعد السفر إليها.

الكتاب احتوى على 184 صفحة، صمّم جغرافياته على عدة محاور ودول، تساءل فيها عن السفر بعد أن قدّمه الكاتب الليبي جمعة بو كليب، الذي قال عن الكتاب إنه يعكس كاتبًا رحّالًا تعلّم من أسفاره، محبًا للطبيعة حد العشق، وشغوفًا بالتاريخ.

يأتي هذا الكتاب الجديد لا بوصفه مجرّد إضافة إلى مكتبة الرحلات، بل كمغامرة فكرية وجمالية تُعيد مساءلة معنى الرحلة في زمنٍ تآكلت فيه المسافات، وتكاثفت الصور والترندات والستوريز التي تذهب مع خفوت نسب المتابعات والمشاهدة. إنّه نصّ يكتب العالم بوصفه شبكةً من الدلالات، لا خرائط جامدة، ويجعل من العبور فعل تأمّل في الهويّة، وفي هشاشتها، وفي قابليتها الدائمة لإعادة التشكل.

استهلّ بن يعلا رحلاته من اليونان، أثينا، مدينة الأساطير، وعبر منها وبها. فلم يقدّم المدن بوصفها محطاتٍ عابرة في خطّ الرحلة السياحية، بل ككائنات رمزية تستريح في حضن الأسطورة وتنهض من حبكة الحكاية، من أثينا حيث تتجاور الفلسفة مع بقايا الآلهة في ذاكرة اليونان، إلى إسطنبول التي تُنصت إلى صدى الإمبراطوريات وتكتب تاريخها على تخوم البحرين والقارتين، مرورا بسراييفو حيث يلتقي الجرح بالذاكرة في سردٍ إنسانيّ كثيف، إلى روما التي تحوّل الزمن إلى أثرٍ حيّ، وفاليتا التي تُخفي في حجارتها الصغيرة امتداد البحر وأسئلته.

في هذا التواشج، لا تبدو المدن جغرافيا، بل نصوصًا حيّة تتقاطع فيها الثقافة بالتاريخ، والأسطورة بالواقع، لتغدو الرحلة تأمّلاً في تراكم المعنى الإنساني عبر العصور، حيث كلّ خطوة هي استعادة لظلّ حكاية، وكلّ نظرة هي انخراطٌ في ذاكرة أعمق من الزمن، كأنّ العبور بين هذه المدن ليس انتقالًا بينها، بل غوص في تأصيل الوعي الإنساني وهو يعيد سرد نفسه عبر الأمكنة.

لا يختار الكاتب موقع المؤرّخ، ولا يسرد الرحلة بعين الباحث المثقلة بالمفاهيم، بل ينحاز إلى بساطة السائح الذي يمشي بخفّة الاكتشاف، ويترك للرحلة أن تُفصح عن ذاتها ببساطة دون تكلّف. غير أنّ هذه البساطة ليست سذاجة عابرة، بل شكلٌ من أشكال الإصغاء العميق، حيث يتسرّب المعنى من التفاصيل اليومية، من مذاق الخبز في الأزقّة، من رائحة القهوة في الصباحات البعيدة، من وجوه الناس وإيقاعهم وهم يعبرون حياتهم بعفوية تشبه موسيقاهم وكتبهم ولغاتهم وألبستهم وخفة انتمائهم.

الكتاب مغامرة فكرية وجمالية تعيد مساءلة معنى الرحلة في زمن تآكلت فيه المسافات، وتكاثفت الصور والترندات والستوريز

يغدو المألوف عند بن يعلا مادةً للتأمّل، ويتحوّل العادي إلى كثافة دلالية، كأنه يعيد اكتشاف العالم من زاويةٍ حميمة، حيث تختبئ الفلسفة في اليومي، ويتجلّى العمق في أبسط الإيماءات، في الطعام، في الحديث العابر، وفي ذلك النبض الخفي الذي يجعل المدن حيّة بإنسانها قبل حجارتها.

ولا تنغلق الرحلة في تخوم جنوب أوروبا وذاكرة المتوسط، بل تمتدّ كخيط شفّيف نحو مدنٍ أخرى، تُستعاد لا كأمكنة بعيدة، بل كنبضٍ متصلٍ في خرائط الروح والإنسانية: من فيينا حيث الموسيقى ظلٌّ للفكر، إلى برلين التي تستعيد كتابة ذاتها من شقوق الحروب، من جنيف حيث الصفاءُ يلامس قلق المعنى، وأمستردام التي تنساب كحلمٍ مائيّ بين الحرية والهشاشة والعتمة والضوء، وباريس التي لا تكفّ عن اختراع صورتها في عيون العابرين، ولندن التي تُخفي صخبها في نظامٍ دقيق، ومدريد حيث السهر والدفء إيقاد دائم للحياة.

وتمتد الرحلة إلى هلسنكي التي تُصغي للغتها الصامتة وسكونها الجامد والتي استنطقها الصادق النيهوم في شغف بن يعلا ليزورها ويحمل أثر الرحلة بالرحلة والتفاصيل الفلسفية بالفضول. امتداد هذا الحسّ الرحلي تسرّب من خلال أثر القراءة بوصفها رحلةً موازية لا تقلّ عمقًا عن عبور الأمكنة، فقد بدا تأثّر الكاتب بأدب الصادق النيهوم لحظةً مفصلية أعادت توجيه بوصلته نحو هلسنكي، لم تكن المدينة هنا اختيارًا جغرافيا بقدر ما كانت استجابةً لنداء خفيّ تشكّل في اللغة، كأنّ النصّ فتح دربًا داخل الواقع، ودلّه على مكانٍ كان موجودًا فيه قبل أن يطأ أرضه. هكذا تحوّلت القراءة إلى أثر يستفز الخطى.

في هذا الامتداد، لا تكون الرحلة حركةً منها وإليها، بل حالة دائمة من العبور، حيث تتلاشى الحدود بين الوصول والمغادرة، ويغدو كلّ مكان بدايةً لآخر، عالمي يُبنى من تراكم الإحساس، من نظرات عابرة ولمسات خفيفة، حيث المدن ليست سوى حالات شعورية تتبدّل داخلنا، وحيث الرحلة، في بساطتها الظاهرة، تظلّ فعلا حسيا عميقا نعيد من خلاله ترتيب علاقتنا بالعالم وبأنفسنا، كلّما ظننا أنّنا وصلنا.

ذاكرة أخرى
الرحلة تتحول إلى سفر جماعي يبدأ من الكاتب وينتهي عند القارئ، ليشكل مرآة معرفية نرى فيها العالم وحدود إدراكنا له

هكذا تتحوّل الرحلة، في الكتاب، إلى سفر جماعي يبدأ من الكاتب وينتهي عند القارئ، ليشكّل مرآة معرفية نرى فيها العالم كما نرى حدود إدراكنا له، ونكتشف أنّ أبعد المسافات ليست تلك التي تفصل بين الأمكنة، بل تلك التي تفصل بين ما نعتقد أنّنا نعرفه، وما نجرؤ على إعادة التفكير فيه.

ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال الدور الحاسم الذي لعبته التجربة الشخصية والانطباع الذاتي في توجيه مسار الرحلة وصياغة معناها، فبن يعلا لم يعبر المدن ببرودة الملاحظ المحايد، بل حملها في داخله كما حمل نفسه إليها، حتى أصبحت الذاكرة والحدس والمزاج أدواتٍ خفيّة أعادت ترتيب المشهد، ومنحت التفاصيل العارضة كثافتها الدلالية.

هكذا يغدو تتبّع أثر المدن فعلَ قراءة ذاتية بامتياز، حيث لا تُلتقط المعالم في ظاهرها فقط، بل في ارتداداتها النفسية والرمزية داخل الوعي. إنّ كلّ مدينة، في هذا المنظور، لا تُدرك بما هي عليه، بل بما تتركه من أثر، وبما تفتحه من تأويل، كأنّ الرحلة ليست سوى كتابةٍ مزدوجة، كتابة المكان في الذات، وكتابة الذات في المكان.

ولا يغيب، في ثنايا هذه الرحلات، الأثر العميق لهوية ترافق الكاتب كظلّ لا يفارق خطاه، هوية تتشكّل من امتداد الصحراء وذاكرة البحر، ومن ذلك التوتر الخلّاق بين العزلة والانفتاح الذي يميّز التجربة الليبية. إنّها ليست هوية جاهزة تُحمَل كتعريفٍ ثابت، بل حساسية داخلية تُعيد تشكيل نظرة الكاتب إلى الأمكنة، جعلته يقرأ المدن من زاويةٍ خاصة، يلتقي فيها البعيد بالمألوف، ويستدعي الغريب صدى الأصل.

في كلّ مدينة يعبرها، يظلّ هذا الأثر الليبي حاضرًا، في ميله إلى التقاط التفاصيل الصامتة، في انجذابه إلى الهوامش، وفي بحثه عن الإنسان قبل المعلم، كأنّ الرحلة، في عمقها، ليست خروجًا من الهوية، بل عودةٌ متكرّرة إليها، واختبار لقدرتها على التجدّد، وعلى أن تكون جسرا لفهم الآخر دون أن تفقد نبرتها الخاصة.

طرح الكاتب الجغرافيا لا كخرائط، بل كبحارٍ ومحيطاتٍ تُرى من نافذة طائرة، حيث يتسلّل القلق أحيانًا كفكرة عابرة عن السقوط، تذوب في استسلامٍ هادئ للنوم، كأنّ الجسد يثق بما لا يراه. فلا تكون وسائل النقل مجرّد عبور، بل حالاتٍ شعورية تتأرجح بين الحذر والطمأنينة، بين التفكير والانفلات منه، تتكشّف عبره التفاصيل الأكثر حميمية: فنجان الكابوتشينو، الطعام، المذاقات، وهي تُختبر كما لو أنّها لغاتٌ جديدة، حتى العملة في انتقالها بين الأيدي، لا تبدو محايدة، إذ تستدعي ذاكرة أخرى، وتفتح سؤالًا خفيًا عن التاريخ والرموز، عن المسافة بين ما نحن عليه وما نحمله في وعينا من صورٍ ووجوه، وعمر المختار الذي حضر كأثرٍ رمزيّ يرافق فكرة العبور بين عوالم مختلفة.