"رحمة 2": من دراما إنسانية مؤثرة إلى فوضى تجارية باهتة
خيب مسلسل "رحمة 2" آمال الجمهور الذي انتظر استمرارية النجاح اللافت للجزء الأول، حيث أظهر بوضوح كيف يمكن للطمع الإنتاجي أن يُفسد عملًا دراميًا كان يحمل إمكانيات فنية حقيقية، خاصة بعد الإقبال الواسع على الجزء الأول من “رحمة” في رمضان السابق، إذ رسمت شخصية رحمة (منى فتو) صورة الأم المغربية الصابرة والقوية، بينما جاء الجزء الثاني ليُثبت أن الاستمرارية ليست دائمًا خيارًا فنيًا صائبًا، وإنما غالبًا ما تكون قرارًا تجاريًا يُضحي بالجودة مقابل الاستغلال المادي للشهرة.
ويفتقر الجزء الثاني إلى أي صلة حقيقية بالجزء الأول، فعوض تطوير الخطوط الدرامية الموجودة سابقًا بطريقة منطقية ومتماسكة، يتحول العمل إلى سلسلة من الحكايات المنفصلة التي شاهدناها وكأنها مُلصقة بعضها ببعض لملء الثلاثين حلقة، في حين القصة الأصلية التي دارت حول صراع الأم مع الظروف الاجتماعية والعائلية استُبدلت بمغامرات جانبية تتعلق بالمخدرات، العصابات، الانتقام، وحتى محاولات اغتيال وتحولات شخصيات غير مبررة، وهذا جعل الحكي يفقد بوصلته تمامًا ويتحول إلى تمطيط درامي مُرهق. هذه العشوائية في بناء الحبكة تُظهر غياب رؤية فنية واضحة، وتجعل المشاهد يتساءل عن الغرض الحقيقي من الجزء الثاني: فهل هو تطوير للقصة أم أنه استغلال للاسم الشهير لضمان نسب مشاهدة؟
الجزء الثاني من "رحمة" يفتقر إلى أي صلة حقيقية بالجزء الأول وتحول إلى سلسلة من الحكايات المنفصلة
تتجلى الفوضى بشكل أكبر في أداء الممثلين، حيث يغلب عليه الارتجال الواضح والافتقار إلى إدارة فنية محكمة، فالممثلون تُركوا دون توجيه دقيق، تظهر مشاهد عديدة كأنها غير مُعدة مسبقًا، مع حوارات ارتجالية لكنها غير مُتقنة وغير متناسقة مع السياق الدرامي، وهذا الارتجال لا يقتصر على الأداء التمثيلي فحسب، وإنما يمتد إلى الفضاء الإخراجي نفسه؛ فالكاميرا تتحرك بحرية مفرطة، واللقطات تتنقل بين زوايا بعيدة وطويلة بشكل يُذكر بالسينما أكثر من الدراما التلفزيونية، بينما في المعجم النقدي الفني، تُعد اللقطات الطويلة والبعيدة خاصية سينمائية تُبرز الجماليات البصرية والفضاء المكاني، بينما تحتاج الدراما التلفزيونية خاصة في رمضان إلى لقطات قريبة وقريبة جدًا لالتقاط تعبيرات الوجوه والانفعالات النفسية التي تُشكل جوهر التواصل العاطفي مع المشاهد، وهذا الاختيار الإخراجي يُضعف التأثير الدرامي ويجعل العمل يبدو كفيلم سينمائي مُقسم إلى حلقات، لا كمسلسل يومي يعتمد على الإيقاع السريع والعمق العاطفي.
ويبرز أداء سناء عكرود ضمن أبرز نقاط الضعف في العمل، لأن محاولتها تجسيد شخصية رحمة متصنعة وغير مقنعة، إذ تحمل عكرود في أدائها بصمات شخصيتها السابقة في أعمال مثل “وصايا”، حين تلعب دور المرأة القوية التي تُفتي بالرأي وتُسيطر على الموقف، وهذا جعلها تُعيد تقديم نمط مكرر دون تكييف حقيقي مع خصوصية رحمة. والنتيجة هي شخصية باهتة فقدت حرارتها وعمقها العاطفي الذي ميزها في الجزء الأول مع منى فتو، فالحضور الجسدي والصوتي والحركي مختلف تمامًا، والجمهور يرفض بطبيعته قبول بديل لشخصية رسخت في الذاكرة بهذا الشكل القوي.
وأخفقت الممثلة فرح الفاسي والممثل عبدالله ديدان في تطوير أدوارهما بشكل يتناسب مع التغييرات الدرامية، إذ شاهدنا أداء فرح الفاسي (نادية) مصطنعًا في تحولاتها الغريبة، خاصة عودتها “من الموت” بمكياج مبالغ فيه وتقليد مفضوح للهجة السورية، حولها إلى شخصية كاريكاتيرية وليست درامية، أما الدور الذي قدمه الفنان عبدالله ديدان فلم يتمكن من الحفاظ على الزخم الذي قدمه سابقًا، إذ غلب على أدائه الجمود والتكرار، مع حوارات غير مُشخصة وغير مدروسة بعناية، وهذا الفشل في التشخيص يعود جزئيًا إلى ضعف السيناريو الذي لم يوفر لهما مواد درامية قوية، وإنما رمى بهما في دوامة من الأحداث العشوائية التي لا تخدم تطور الشخصيات ولا القصة الأصلية التي تم استبدالها.
ويُمثل “رحمة 2” نموذجًا سلبيًا لكيف يمكن للإنتاج التجاري أن يُهدر رأس مال فني متراكم، فتغييرات الكاستينغ رغم تأثيرها ليست السبب الوحيد؛ الإشكال الأساسي يكمن في السيناريو الذي انحرف إلى حيل رخيصة للتمديد وتم استبداله، والإخراج الذي يفتقر إلى حساسية الدراما التلفزيونية، والأداء الذي عانى من غياب التوجيه، فخسرت قناة “أم.بي.سي 5” رهانها على الدراما المغربية في رمضان 2026، بعد أن كان “رحمة 1” وأعمال أخرى مثل “سلمات أبوالبنات” قد رفعت سقف التوقعات، ويبقى الأمل معلقًا في أن تتعلم الدراما المغربية من هذه التجربة، وأن تُفضل الجودة على الكم والإبداع على الاستسهال.
ويُعد الجزء الأول من “رحمة” نموذجًا للدراما الاجتماعية المغربية الناجحة، إذ نجحت الكاتبة بشرى ملاك في صياغة سيناريو محكم يركز على قضايا إنسانية عميقة مثل معاناة الأمهات مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، والزواج السام، والصراع بين الانتقام وإعادة بناء الذات، فكانت الحبكة مترابطة بشكل يسمح بتطور تدريجي للشخصيات، مع حوارات طبيعية ومؤثرة تعكس الواقع المغربي دون مبالغة أو افتعال، وهذا جعل المشاهد يتورط عاطفيًا مع رحمة وابنها وصراعاتها اليومية، وهذا التماسك السردي إلى جانب التركيز على الجانب النفسي والاجتماعي عوض الإثارة السطحية، ساهم في تحقيق نجاح جماهيري واسع وإشادات نقدية بجودة الكتابة التي تجنبت الهواجس الرمضانية التقليدية المبنية على التشويق الرخيص.
أبرز الأسباب وراء هذا الانحدار هو تدخل المنتجين في تغيير السيناريو وهي إشكالية مزمنة في الدراما المغربية
ويتبين الفرق الشاسع بين الجزأين في جودة السيناريو نفسه، ففي الجزء الأول قدمت بشرى ملاك نصًا يعتمد على بناء درامي صلب يخدم تطور الشخصيات ويطرح رسائل اجتماعية قوية دون الحاجة إلى حيل تمديدية، وجعل العمل ينتهي بشكل مرضٍ ومكتمل، بينما في الجزء الثاني فإن السيناريو سواء بسبب تغييرات في الكتابة أو تدخلات إنتاجية انحرف نحو إضافة خطوط جانبية غير ضرورية، مثل قصص المخدرات والانتقام المبالغ فيه، وهذا أدى إلى تفكك البنية الدرامية وفقدان التركيز على جوهر القصة الأصلية. هذا التحول يُظهر كيف يمكن للضغوط التجارية أن تُفسد حتى أفضل الأفكار الأولية، خاصة عند غياب التمسك بالرؤية الفنية الأصلية.
وتعتبر أبرز الأسباب الكامنة وراء هذا الانحدار هو تدخل المنتجين وشركات الإنتاج في تغيير السيناريو دون وجه حق، وهي إشكالية مزمنة في الصناعة الدرامية المغربية، فغالبًا ما يفرض المنتج تعديلات جذرية على النص الأصلي ليتناسب مع اعتبارات تجارية بحتة، مثل إضافة مشاهد إثارة أو خطوط جانبية لتمديد العمل، أو تغيير نهاية القصة لتكون أكثر جاذبية للإعلانات، وهذا يُفقد السيناريو تماسكه ويحوله إلى منتج تجاري باهت، وهذا التدخل يحدث في غياب آليات حماية فعالة لحقوق المؤلف، خاصة حينما يجد كاتب السيناريو نفسه مضطرًا إلى قبول التعديلات تحت ضغط الإنتاج، أو يفقد مشروعه تمامً، وهذا يُثبط الإبداع ويُشجع على تكرار نفس النماذج الآمنة والمُستهلكة.
وتتفاقم هذه المشكلة بسبب ثغرات واضحة في قانون التحملات (دفاتر التحملات) الذي ينظم علاقة القنوات بالمنتجين، ويمنح المنتج سلطة واسعة في اختيار المواضيع والطاقم الفني والتقني دون رقابة فنية صارمة من الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أو جهات أخرى، وهذه الثغرات تحول المنتج إلى الآمر الناهي الفعلي، فيختار مواضيع سطحية تضمن عائدًا سريعًا، ويُعيد تدوير نفس الوجوه التمثيلية سنويًا لتقليل المخاطر، في حين يؤدي هذا إلى أعمال باهتة تفتقر إلى التجديد وتخلف دراما رمضانية تتكرر فيها الأنماط والوجوه، وتفقد قدرتها على جذب الجمهور طويل الأمد أو طرح قضايا حقيقية، كما حدث في “رحمة 2” الذي ضحى بجودة الجزء الأول مقابل استغلال تجاري سريع.