خطاب حزب الله التصعيدي يحرج موقف الدولة اللبنانية
يضاعف الخطاب التصعيدي لقيادة حزب الله من إحراج موقف الدولة اللبنانية التي تحاول جاهدة احتواء الصراع الجاري، عبر عرض إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
وقال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في كلمة له بمناسبة يوم القدس، إن الحزب يخوض معركة "دفاع مشروع لمواجهة العدوان الصهيوني الذي يشكل تهديدا وجوديا". وأضاف "لقد أعددنا أنفسنا لمواجهة طويلة وسيفاجئون في الميدان وسيرى العدو بأسنا وتهديداته لا تخيفنا، ومقاتلو حزب الله استشهاديون لا يهابون الموت ومستعدون للالتحام المباشر عن قرب مع العدو".
ولفت إلى أن حزب الله أخذ الدروس والعبر من معركة "أولي البأس" التي حصلت في أعقاب هجوم حماس في السابع من أكتوبر والتي تكبد فيها الحزب خسائر فادحة أضعفت قدراته على نحو كبير، لكنها لم تزل تهديده لإسرائيل.
وأشار الأمين العام لحزب الله إلى أن "العدو (إسرائيل) الآن لا يملك قدرة على تحقيق أهدافه". وأضاف أن "الحكومة اللبنانية لا تستطيع تحقيق السيادة ولا حماية مواطنيها، ولا حل سوى بالمقاومة وإلا يتجه لبنان إلى الزوال".
ويرى مراقبون أن تصريحات قاسم لا تخلو من تحد ليس فقط لإسرائيل بل وأيضا للدولة اللبنانية، التي تقف عاجزة أمام الحزب رغم قرارها بحظر أنشطته العسكرية.
ويشير المراقبون إلى أن قيادة حزب الله كانت واضحة لجهة أنها ماضية في التصعيد، وهو ما ينسف المبادرة التي عرضها الرئيس جوزيف عون، ويضع لبنان في فوهة بركان.
وعبر الرئيس اللبناني عن استعداد الدولة لبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل خلال الأيام المقبلة، سعيا إلى إنهاء الصراع الذي اندلع في الثاني من مارس عندما دخل حزب الله الحرب الإقليمية دعما لإيران.
وقال مصدران مطلعان على موقف عون إنه بدأ في تعيين وفد تفاوضي وذهب في بعض الاجتماعات الخاصة إلى حد القول إنه مستعد للتحرك نحو تطبيع العلاقات. وردا على سؤال عن التطبيع، قال مصدر ثالث مطلع على موقف عون "كل شيء مطروح على الطاولة".
عجز لبنان عن كبح حزب الله خلال العام الماضي ومنع هجوم الحزب في الثاني من مارس ترك بيروت بلا شيء ملموس لتقدمه على طاولة المفاوضات.
وقبل بضع سنوات فقط، كان مثل هذا العرض من رئيس لبناني سيشكل مبادرة دبلوماسية كبرى، وفرصة للولايات المتحدة لتعلن نجاحها في إنهاء ما يقرب من 80 عاما من العداء بين البلدين.
وقالت ثلاثة مصادر هم مسؤول لبناني ومسؤولان أجنبيان إن اقتراح عون لم يلق اهتماما يذكر من المسؤولين الإسرائيليين أو الأميركيين.
وذكرت جميع المصادر أن عجز لبنان عن كبح جماح حزب الله خلال العام الماضي ومنع هجوم الحزب في الثاني من مارس ترك بيروت بلا مصداقية وبلا شيء ملموس لتقدمه على طاولة المفاوضات.
وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر لصحيفة "تايمز أوف" إسرائيل هذا الأسبوع إن إسرائيل مستعدة للحوار مع الحكومة اللبنانية من أجل تطبيع العلاقات.
وأضاف "لكن المشكلة الحالية هي أن الحوار مع الحكومة اللبنانية لا يمكنه وقف إطلاق النار من الأراضي اللبنانية".
وذكر سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون لمجلس الأمن الدولي هذا الأسبوع أن إسرائيل لا يمكنها التفاوض مع لبنان "بينما الصواريخ تتساقط على حدودنا الشمالية". وقال "حان الوقت لاتخاذ قرار، هل سيكتفي لبنان بالإعلانات أم سيتحرك؟".
وعلى مدار العام الماضي، كانت السلطات اللبنانية تتحرك بحذر لمصادرة أسلحة الحزب في جنوب البلاد.
وكانت مثل تلك الخطوات يصعب تخيلها قبل بضع سنوات، عندما كان حزب الله في ذروة قوته ويمارس نفوذا هائلا على النظام السياسي متعدد الطوائف في لبنان. لكن هذه الإجراءات حققت نتائج متباينة.
فقد تمكن حزب الله من قضاء أشهر في إعادة التسلح، بل ووضع صواريخ جديدة في جنوب لبنان، في الوقت الذي أعلن فيه الجيش اللبناني أنه فرض سيطرة عملياتية كاملة على المنطقة.
وبعد اندلاع الحرب الجديدة، ذكرت مصادر أمنية لبنانية لرويترز أن السلطات اللبنانية اعتقلت نحو 50 شخصا بتهمة حمل أسلحة دون ترخيص في جنوب لبنان وبالقرب من بيروت، قائلة إن المعتقلين يشتبه في أنهم أعضاء في حزب الله. لكن المصادر قالت إنه سرعان ما أُفرج عن عدد منهم بعد دفع غرامة بسيطة.
وقال مسؤول لبناني إن لبنان حاول التواصل مع مسؤولين أميركيين هذا الأسبوع لتقديم عرض بشأن المفاوضات، لكن محاولتهم قوبلت بالرفض.
وأضاف المسؤول "قالوا إن 2025 كان فرصتنا لمواجهة حزب الله ولم نفعل ذلك، لذا لا يوجد ما يمكنهم فعله حاليا".
وقالت ثلاثة مصادر مطلعة على عملية صنع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لرويترز إن واشنطن ليس لديها سوى هامش ضئيل للتعامل مع لبنان نظرا لحربها الحالية مع إيران، وإنها تسمح لإسرائيل بالتعامل مع لبنان كما تراه مناسبا.
وصرح دانون لمجلس الأمن أن إسرائيل لا تزال تريد أن ترى القوات اللبنانية تفكك مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة التابعة لحزب الله وتصادر أسلحة الجماعة.
وتجنب الجيش المواجهة المباشرة مع حزب الله، خوفا من تأجيج التوتر مع الطائفة الشيعية وتفكك الجيش الذي انقسم خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاما.
وقال مايكل يونج من مركز كارنيغي للشرق الأوسط لرويترز "هذه هي المشكلة، لبنان لا يستطيع الوفاء بوعوده. وأنا أتفهم ذلك. فهذا مجتمع متعدد الطوائف، ولا يستطيع لبنان أن يتحمل إعلان الحرب على طائفة ما".