ملاك ناصر

مَن الواهم؟ حين يشهد الاحتجازُ على حياة القضية

في سوق المزايدات السياسية، يعلو اليوم صوت "المتخاذلين مع قوات الاحتلال السعودي" و"البائعين القضية ولارض " بنغمة واحدة محفوظة: الجنوبيون المتمسكون بقضيتهم وبقائدهم عيدروس الزُبيدي يعيشون الوهم. يقولون: انتهى الأمر، والواقع اليوم احتلالٌ سعودي زيدي، لكنهم لقّنوه اسمًا ناعمًا هو "تصحيح مسار" كي يُستساغ. يبشّرون بأن الرياض ستأتي بالخير الكثير ، وأن الدولة التي غابت عشر سنوات ستشرق من جديد على كفّ سعودي.

حسنًا… فلنزن "الوهم" بميزان "الواقع"، ولنضع الدعوى كلها على مشرحة الحقيقة.

أولًا: إن كنا نحن الواهمين… فبمَ تسمّون هذا؟

إن كان التمسك بالأرض والحق وهمًا، فما الاسم الذي يليق بهذا المشهد:  
الوفد الجنوبي بأكمله رهن الإقامة في الرياض. قراره مُصادَر، وحركته مُجمّدة، وعودته مرهونة بتقلبات التفاوض بين السعودية وإيران والحوثي. وطنٌ بأكمله موضوعٌ على الرفّ حتى يأمن السيد السعودي حدوده من الصواريخ.

سؤال الفطرة: هل تُحتجَز الأوهام؟  
الوهم لا يحتاج إلى أقفال. الوهم تتركه فيقتله النسيان. أما أن تُغلق على رجل الأبواب، وتُسكت من أجله مدينة، وتُجمّد باسمه ملفًا، فهذه وثيقة رسمية مختومة تقول: هذا الرجل ليس سرابًا، بل كابوسٌ يخشون يقظته.

وتحدثوننا عن "خير كثير"؟ أي خير يُرتجى من يدٍ باعتك في أول مساومة؟ من جعلك بندًا على طاولة تفاوضه، لن يجعلك غدًا دولة. سيجعلك شيكًا مؤجل الدفع.

ثانيًا: سؤال البديل… الخنجر في خاصرة الرواية

عشر سنوات والقرار في عدن سعوديٌّ خالص: المال والسلاح والإعلام والشرعية. عشر سنوات تكفي لخلق نخبة، لا لخلق بديل واحد.

هنا يسقط كل خطاب "الوهم" أمام سؤال واحد: أين الزعيم الجنوبي البديل؟

لو كان عيدروس الزُبيدي قد احترق شعبيًا، وسقط سياسيًا، وماتت قضيته، لكان أبسط بديهيات السياسة أن تُخرج الرياض من مصنعها رجلًا جديدًا. تصنعه، تلمّعه، تمنحه الميكروفونات، وتملأ به الفراغ، ثم تعلن: هذا هو الجنوب، والانتقالي صفحة طويت.

لكن الفراغ لا يزال يصرخ، والكرسي لا يزال شاغرًا، والأرض لا تزال تُنادي صاحبها الأول.

إن غياب البديل ليس عجزًا تقنيًا، بل إقرارٌ سياسي: أن الشارع ما زال حيًا، وأن أي دمية تُنصب في الميدان ستُكنس بأول موجة هتاف. هم يعلمون أن الشرعية الشعبية الوحيدة الباقية، هي التي يحملها عيدروس وهيا شرعية الشعب .

فالعودة ليست حلمًا، بل ضرورة يفرضها فراغٌ أنتم من صنعتموه، وعجزٌ أنتم من وقّعتم عليه، وخوفٌ أنتم من تعيشونه.

ثالثًا: موازين الخوف… من يرتجف في الظلام؟

الخائف ليس من ينام على رصيف الوطن قابضًا على جمره. الخائف هو من يملك المطار والميناء والبنك والسلاح، ثم يعجز عن إدارة الوطن  خوفا ممن نصبه لانه عميل متبنكس.

الواهم ليس من يعضّ على جذر قضيته. الواهم هو من توهّم أن عشر سنوات من التجويع، وقطع المرتبات، وقتل الكهرباء، وخنق الخدمات، كافية لمحو ذاكرة شعب. القضايا لا تموت بالتجميد. تموت بحلٍ عادل، أو بديلٍ حقيقي. وأنتم لم تأتوا بهذا ولا بذاك.

سمّيتم الوصاية "تصحيح مسار" فاعوجّ المسار حتى كاد ينكسر.  
وعدتمونا بالرخاء فاستوطننا الفقر.  
بشّرتم بالدولة فلم نرَ سوى أعلامٍ على منشآت لا نملك مفتاحها، وسيادةٍ تُدار بالريموت من وراء الحدود.

رابعًا: الفصل الأخير… حين تنطق الوقائع

المعادلة اليوم سافرة بلا مساحيق:  
السعودية تُمسك بالخيوط، وعيدروس يُمسك بقلب الشارع، والمواطن الجنوبي يُمسك بالجوع والقيظ والخذلان.

فلا تُحدّثونا عن "الوهم" وأنتم تسجنون الحقيقة في جناح فندقي بالرياض.  
ولا تُحدّثونا عن "طيّ الملف" وأنتم أجبن من أن تُعلنوا البديل.  
ولا تُمنّونا بـ"الخير القادم" وقد رأيناكم تبيعون الحاضر في أول مزاد.

الأوطان لا تُقاس بمن يملك بوابة المطار، بل بمن يملك مفتاح الشارع. والشارع لم يوقّع على صكّ البيع بعد.  
وحين يكون المسرح فارغًا، والبطل ممنوعًا من الصعود، والبديل مرفوضًا من الجمهور، فاعلموا أن الستارة ستُرفع رغمًا عنكم.  
فمن الواهم إذن… نحن أم أنتم؟