هل يحرك الحزب شبكاته في الخارج للضغط على إسرائيل؟
لا شكّ أنّ ساحة المعركة بين "حزب الله" وإسرائيل، لا تقتصر على لبنان ولا المنطقة العربية فحسب، بل تتعداها إلى جميع أنحاء العالم. ولا شك أيضًا أنّ معركة استخباراتية تجري في الخفاء بين العدوين الممسوكين، إن للحدّ من احتمال تنفيذ "حزب الله" عمليات في الخارج، من دون شرط تبنيها، أو من قدرته على جمع المعلومات والأموال. هذه المعارك عادة ما تجري من دون كشف تفاصيلها ما لم يجد أحد المعنيين مصلحة في ذلك.
وبينما نقل موقع "بوليتيكو" عن مسؤولين في الاستخبارات الأميركية "معلومات عن تزايد خطر قيام "حزب الله" بمهاجمة الولايات المتحدة مع تصاعد التوترات في المنطقة"، يستبعد الصحافي والمحلل السياسي، علي الأمين، في حديث إلى "جسور" لجوء الحزب إلى هذا السلاح الموجود ضمن ترسانته. "فهذا السلاح قد يسبب انقطاع قنوات التواصل التي فتحها "حزب الله" مع الأميركيين والغرب ويضر بطموحه بأن يحظى بنوع من التشريع والشرعية الدولية لتوسعة نفوذه في المنطقة، والتي مهد لها بترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل"، وفق الأمين.
في نهاية ديسمبر 2023، اكتشفت أستراليا انتماء أحد مواطنيها إلى "حزب الله"، بعد مقتله في غارة إسرائيلية على بنت جبيل. إثر ذلك أعلنت الدولة التي تصنف "حزب الله" تنظيماً إرهابياً فتح تحقيق في انتماء مواطنها لهذا التنظيم.
أعاد الأمر تسليط الضوء على تجنيد الحزب للعديد من حملة الجنسيات الأجانب، والذين لطالما لجأ إليهم لتنفيذ عمليات في الخارج. ولعل آخر ما انكشف منها كان تفجير حافلة تنقل سواح إسرائيليين من مطار بورغاس في بلغاريا في العام 2012. وحكمت بلغاريا بالسجن المؤبد على لبناني-أسترالي ولبناني-كندي شاركا في التفجير، أما المنفذ وهو لبناني-فرنسي فقد قضى فيه.
واعتبر التفجير الذي أدى لمقتل خمسة إسرائيليين بينهم امرأة حامل، وسائق الحافلة البلغاري، الأكثر دموية ضد إسرائيليين في الخارج منذ العام 2004. وكانت حافلة السواح الإسرائيليين هي ما ظفر به "حزب الله" من أهداف بعد تهديد أمينه العام، حسن نصرالله، باستهداف القادة والجنرالات الإسرائيليين في كل مناطق العالم انتقاماً لاغتيال معاونه العسكري عماد مغنية في سوريا عام 2008
كان للتفجير الذي لم يتبنه "حزب الله" لكن انشكفت بصماته عليه تداعيات سلبية عليه. إذ ساهم في صدور قرار الاتحاد الأوروبي تصنيف "الجناح العسكري" للحزب على لائحة المنظمات الإرهابية، في تموز 2013. كذلك ساهمت العملية في كشف "حزب الله" عن تعامل مسؤول كبير في وحدته الخارجية، محمد شوربة، مع إسرائيل، وهو ما أدى لتضرر شبكاته في الخارج.
يلفت الصحافي المحلل لشؤون "حزب الله"، إلى أن الحزب منذ تفجير بورغاس أوقف هذا النوع من العمليات في الخارج نظرًا لأضرارها بمصالحه. ويرى أن "حزب الله" اليوم غير مضطر اليوم لتنشيط الجهاز الخارجي ولو لجهة استهداف إسرائيليين فقط، لما قد يسببه له ذلك من عزلة في وقت تحول فيه إلى مركز تواصل سواء مع جهات أميركية أو أوروبية. "ففي حال ذهب الحزب إلى أعمال كهذه ستخلق ردة فعل سلبية ضده ويضيق على نفسه وهو ما لا يريده. فقد بات يملك نظام مصالح يمنعه عن ذلك طالما ليس وجوده مهدداً"، وفق الأمين.
بالعودة إلى تقرير "بوليتيكو" في 10 كانون الثاني يناير، والذي تحدث عن احتمالات تحرك شبكات "حزب الله" لتنفيذ هجمات في الولايات المتحدة. ونقل عن مسؤولين في المخابرات الأميركية قولهمم "إن "حزب الله" لديه قدرة أكبر على ضرب داخل الولايات المتحدة من الجماعات الإرهابية الأخرى مثل داعش". وتعليقاً على التسريب المنسوب إلى المخابرات الأميركية ينقل الأمين وجهة نظر، لا يتبناها بالكامل، تعتبر أن أميركا تستخدم ورقة "حزب الله" لمحاولة تغيير المعادلة السياسية داخل إسرائيل.
ويستبعد أن يلجأ "حزب الله"، إلى ما تحدث عنه "بوليتيكو" ما لم يكن وجوده مهددًا، "نظراً لالتزامه منذ ٧ أوكتوبر بالقواعد والشروط التي وضعها التقاطع الأميركي-الإيراني. حيث قال الحزب بأنه يشاغل ويساند، أي وضع سقفا لا يستفز الإدارة الأميركية والغرب عموماً".
ويعتبر الصحفي المتابع لشؤون الحزب أن مشاغلة الحزب هذه لم تستفز أميركا، على العكس من تحرك بقية الجماعات التابعة لإيران في المنطقة. كما يعتبر أن حزب الله حذر ومستفيد من الخلاف الأميركي الاسرائيلي "رغم خصوصية هذا الخلاف الذي يلتقي على حماية إسرائيل".
ومع استبعاد لجوء "حزب الله" للعمليات الخارجية، يرى الأمين أن إيران والحزب يراهنان اليوم على صفقة بأفضل شروط مع الأميركيين، ما يتطلب حداً أدنى من الانضباط ضمن محاولة استغلال الفرص دون أن تنقلب عليهم الأمور. وهو ما يجعل إيران حذرة من أن تستدرجها إسرائيل إلى مواجهة مباشرة تستدعي تدخل الولايات المتحدة.
"حزب الله في هذه المرحلة يسعى للحفاظ على الخط المفتوح مع الأميركيين والذي يبدأ من إيران. إذ يفكر الحزب بكيفية الاستمرار في حال تغيرت الأوضاع الإقليمية وبالتالي يحاول الموازنة بين الحفاظ على وجوده وهويته العسكرية والأمنية وبنفس الوقت فتح قنوات تواصل، ومنذ ٧ ت لعب لعبة ناجحة إلى حد الآن" بحسب الأمين.
أما السبب فيعيده الصحفي إلى أن تحديات الحزب اليوم تختلف عما كانت عليه في السابق، "فهو اليوم الآن يمسك بالدولة ويطمح لنفوذ أوسع في المنطقة وبأن يحظى بالحصول على شرعية دولية مهد لها بالترسيم البحري كبداية لتشريع دوره، وقد نال جزء من هذا التشريع. وهو ما يستكمله اليوم مع هوكشتاين. بل وهو يسعى لإعادة بناء علاقات مع الجميع والخروج من لائحة الإرهاب والحصار، بينما تقلقه العمليات الخارجية ولا تحقق له مكاسب وتضعه أكثر بموقع المستهدف".
عن سبب تفوق "حزب الله" على بقية الجماعات الإرهابية في القدرة على القيام بعمليات أمنية في دول أجنبية، يقول الأمين إنه "المولود الإيراني الأول في المنطقة وكان نشطاً في العمليات الخارجية وخطف الرهائن ما منحه خبرة، كما بنى علاقات مع شبكات في الخارج". أما العنصر الأهم الذي يذكره الصحفي فهو وضعية "حزب الله" في لبنان وسيطرته على البلاد ومنافذها، والتي منحته قدرة على الحركة والتواصل من دون مراقبته وكشفه. حيث بات يستطيع إدارة عمليات عسكرية وإدخال وإخراج الأفراد من دون مساءلته واتهامه.
وإن كانت الحروب عادة ما تفتح على كامل الاحتمالات، غير أن الصراع اليوم يبدو وكأنه ما يزال محكومًا بالاتفاق على أن يخدم قطبيه الأكبر، بينما يدفع سكان المنطقة ثمن كباش المصالح. اتفاق لا يمنع أي من الأطراف عن محاولة تحسين شروطه للتفاوض عبر التحرك العسكري. لكن يبدو أن إيران وجمعاتها حريصون هم أيضاً على حصر الصراع الآن في المنطقة بدل محاولة نقله إلى الخارج. إذ تعتمد سياسات براغماتية تغطيها بخطابات تهديدية مكررة.
أما "حزب الله"، فيظهر أن الحرب الإسرائيلية على غزة تفتح له مجالاً أكبر للانفتاح على الخارج وتعزز سيطرته على كامل العملية السياسية في لبنان، مع هوامش لبعض معارضيه. انفتاح يأخذه بالحسبان في تحركاته العسكرية لربما يجنبه حربًا أكبر.