الاستراتيجيات المتصادمة في حرب غزة

وكالة أنباء حضرموت

بعد ثلاثة أشهر من عملية "طوفان الأقصى" واستمرار حرب إسرائيل مع حماس في غزة، ومع حلفاء إيران في جنوب لبنان وسوريا والبحر الأحمر، آن الأوان لرؤية استراتيجية محض بعيداً من البروباغندا، لفهم أهداف كل من حماس وإسرائيل، ولماذا يدفع كل طرف الثمن الباهظ مقابل تحقيق أهدافه.

حافظت إسرائيل على تفوقها العسكري منذ وجودها، وبنت عقيدتها العسكرية على الاستخبارات والضربات والحروب الاستباقية منذ عام 1967، والتي منعت فيها الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية من ربح أي حرب، وإسرائيل تدرك أن أي فشل استخباراتي من قبلها، كان من شأنه أن يسمح للدول العربية فيما مضى، ولحماس وإيران وحلفائها اليوم، بمهاجمة إسرائيل وتحقيق انتصارات عليها.

حركة حماس منذ نشأتها، تواجه تحديين متوازيين: الأول هو أن الدول العربية منقسمة وتتنافس مع بعضها البعض (وهو ما واجهته سابقاً منظمة التحرير الفلسطينية) ومع إيران، مما يحول دون التركيز على إسرائيل، والثاني هو عدم قدرتها على استشعار مسبق للأفعال والضربات الإسرائيلية. لذلك رأت حماس أن عليها جعل الدول العربية وإيران تعيد التركيز على القضية الفلسطينية طوعاً أو إكراهاً، وفرض نفسها على القرارات العربية والإيرانية قبل أي شيء آخر، وفي هذا السياق وجدت حماس أن عليها تحقيق إنجاز ضد إسرائيل، وفي حال نجحت تكون أمنت مكانتها في العالم العربي وفي إيران، وفي هذه الحالة تصبح القوة المهيمنة في المنطقة، كما كانت سابقاً منظمة التحرير الفلسطينية في مرحلة من المراحل.

فشلت إسرائيل استخباراتياً في توقع هجوم سوريا ومصر عليها في أكتوبر/تشريم الأول 1973، حيث عبرت القوات المصرية قناة السويس، واخترقت سوريا مرتفعات الجولان، وهددت وجود إسرائيل، إلى أن استعادت تل أبيب المبادرة، وانتهت حرب أكتوبر، آخر حرب عربية إسرائيلية، والتي أنتجت اتفاق سلام بين مصر وإسرائيل وكرّت سبحة اتفاقيات السلام والتطبيع منذ ذلك الحين. رغم هذه الاتفاقيات، طورت إسرائيل قدراتها الاستخباراتية لكشف الأخطار المحتملة، ورغم ذلك تمكنت حماس من شن هجومها المفاجئ مستندة إلى تقديرين: الأول أن إسرائيل لم تكن تتوقع مثل هذا الهجوم، والثاني أن الحكومة الإسرائيلية مشتتة بسبب خلافات سياسية داخلية. تطلب ذلك من حماس تعمية المخابرات الإسرائيلية عن القوة القتالية التي بنتها في غزة ونجحت بتحقيق المفاجأة الكاملة، وأسرت 250 إسرائيلياً اعتقدت أنهم سيجبرون إسرائيل على التمهل والحذر في أي خطوة عسكرية، ولكن ذلك كان خطأ في التقدير، إذ اختارت إسرائيل استراتيجية الحرب الشاملة، الأمر الذي أدى ويؤدي حتماً إلى سقوط عشرات آلاف القتلى الفلسطينيين، وآلاف القتلى الإسرائيليين.

فرضت حماس على إسرائيل أمراً واقعاً، وأجبرتها على القتال بشروطها على أراضي إسرائيل وداخل غزة. إن هذا الفشل الإسرائيلي الاستخباراتي، والاستهانة بقدرات حماس لم تترك لإسرائيل سوى خيارات استراتيجية ضيقة تتلخص بعدم الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية، وبتجريد حماس من قدراتها باستعمال القوات الجوية والبرية الكثيفة، لضمان استحالة وقوع هجوم مفاجئ آخر من داخل غزة من جهة، وردع تدخل إيران وحلفائها من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه التفاوض مع حماس تحت الضغط العسكري لاستعادة الأسرى. من جهتها، لم تنجح حماس في جعل إيران وحلفائها ينخرطون بالمعركة بشكل استراتيجي، ذلك أن لطهران أجندتها وشروطها وتوقيتاتها التي لا علاقة لها بحماس، وتريد هي ان تستثمر حماس وليس العكس.

بعد ثلاثة أشهر من بدء الحرب، فشلت حماس في إضعاف إسرائيل وفي فرض نفسها على العالم العربي والإسلامي وعلى إيران، وإسرائيل بدورها لم تستطع تجريد حماس من قدراتها بالكامل، ولم تستطع ردع إيران من التدخل، ولو أن التدخل الإيراني و"الحزباللاهي" لم يأت على قدر توقعات حماس، ولم تستعد أسراها وخاصة العسكريين منهم، ولكن الحرب لم تنته بعد وقد يستمر القتال لفترة طويلة وطويلة جداً، وكذلك ما زالت إسرائيل فاقدة لاستراتيجيتها المتمثلة في الردع واعتراض واستباق أي هجمات مفاجئة، وبات واضحاً أنه في المستقبل القريب ستكون هناك تغييرات كبيرة في المقاربات الإستراتيجية لإسرائيل من جهة ولحماس من جهة أخرى، تماماً كما حصل مع منظمة التحرير الفلسطينية بعد العام 1982، ومع إسرائيل نفسها بعد حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت في العام 1991، والثمن كان وسيكون باهظاً في الأرواح البشرية.